أكد الخبير في الأمن الغذائي والشريك الإداري لمركز جنيف للدراسات والبحوث الدكتور فاضل الزعبي أن التكامل الزراعي بين الأردن والعراق وسوريا ولبنان وفلسطين لن يبدأ بمجالس وزارية ولا باتفاقيات إطارية، بل بخطوات صغيرة تبني ثقة قابلة للتحقق وتحترم قيمة الماء، مشددا على أن الخطوة الأولى مسؤولية أردنية، لأن الأردن أقرب الدول الخمس إلى الجاهزية الرقابية وأكثرها خسارة من الانتظار.
وقال الزعبي إنه طرح ستة أسئلة على المتحدثين في الجلسة التي أدارها يوم 15 أيلول ضمن «مؤتمر المشرق العربي للصادرات الزراعية».
وبين أنه لا يوجد نظام رقابي في العالم يمنح «ثقة مطلقة»، فأشد الأسواق صرامة ترفض شحنات وتكتشف مخالفات، وأن ما يمكن بناؤه هو ثقة قابلة للتحقق والتدقيق، قوامها سجلات تتبع ونتائج مختبرات معتمدة وحق الطرف المستورد في التفتيش. ورأى أن «الاعتراف المتبادل» بين دول المشرق سابق لأوانه، لأن أنظمتها غير متكافئة أصلا، ولن يقبل الخليج بأضعف حلقة فيها معيارا للجميع.
وأوضح أن الطريق الواقعي يتمثل في أن تطلب الدولة الأكثر جاهزية اعترافا خليجيا بتكافؤ نظامها سلعة بعد سلعة، على منصة تحقق مشتركة، استنادا إلى مبدأ التكافؤ في اتفاق منظمة التجارة العالمية بشأن تدابير الصحة والصحة النباتية، أما حماية صغار المزارعين فلا تكون بتخفيف الاشتراطات، بل بنقل عبء الامتثال من المزرعة الفردية إلى وحدة تجميع، كالجمعية التعاونية أو بيت التعبئة المعتمد.
وأشار الزعبي إلى أن الممر الأخضر يخضع للمنطق نفسه، فالتعرفة ليست المشكلة، إذ أعفت منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى السلع العربية من الرسوم الجمركية منذ عام 2005، والمشكلة فيما بعد التعرفة.
ولفت إلى قرارات المنع التي تصدرها وزارة الزراعة العراقية تباعا لحماية مواسمها المحلية، وإلى حركة البضائع الفلسطينية التي يتحكم الاحتلال بمعابرها، وإلى مؤسسات لبنانية منهكة، فضلا عن سوريا التي أُلغي قانون «قيصر» بحقها في كانون الأول 2025 وشُطبت من القائمة الأميركية للدول الراعية للإرهاب في آب 2026، لكن مختبراتها ومصارفها وأجهزتها الرقابية لم تتعافَ بعد.
وأضاف أن الاتفاقية الخماسية تصبح في هذا الواقع وثيقة تُوقَّع ولا تُطبَّق، وأن الممكن هو ممرات ثنائية بين الراغبين، أولها ممر أردني سوري عبر مجلس التنسيق الذي عقد جلسته الأولى في دمشق في أيار 2025 وأدرج النقل والتجارة على جدوله، وثانيها ممر أردني عراقي يبدأ بروزنامة زراعية معلنة مسبقا بدل المنع المفاجئ.
وفيما يتعلق برأس المال الخليجي، رأى الزعبي أن فكرة «الوجهة الاستثمارية الزراعية الواحدة» جذابة، لكن المستثمر الحصيف لن يشتري خمس منظومات قانونية متباعدة في مخاطرها السياسية على أنها حزمة واحدة.
وقال إن ما يمكن توحيده ليس الحوافز، بل الحد الأدنى من الشروط التنموية التي تدرجها كل دولة في تشريعها، وهي تأجير الأرض لا تمليكها، وزراعة تعاقدية مع المزارعين المحليين بنسبة محددة من الإنتاج، وحصة توريد للسوق المحلية، وحصص مياه مقاسة بالعدادات تُمنح من المياه المعالجة أو السطحية المرخصة لا من آبار جديدة.
وحول الماء، شدد الزعبي على ضرورة تفكيك صورة «سلة غذاء المنطقة»، فالمشرق لم يعد يملك من الماء ما يسمح بالاكتفاء في الحبوب والأعلاف، والإصرار عليه ينتج اكتفاءً سياسيا يستنزف المياه الجوفية.
وأكد أن المعيار الصحيح هو الإنتاجية المائية، أي القيمة المضافة وفرص العمل لكل متر مكعب، وأن التحول بهذا المعيار لا يقوده محصول بعينه، بل منظومة تضم الزراعة المحمية عالية الكفاءة، وإنتاج البذور والأشتال، وإعادة استخدام المياه المعالجة، والزيتون البعلي الذي يعتمد على المطر لا على المخزون الجوفي. وأوضح أن الأردن، بنصيب فرد من المياه المتجددة يبلغ 61 مترا مكعبا، لا يستطيع قيادة أي اكتفاء في الحبوب أو الأعلاف ولا ينبغي أن يدّعيه، لكنه يستطيع قيادة ما لا يستهلك ماء كثيرا، من معايير ومختبرات وسلاسل تبريد وخبرة في الري والزراعة المحمية.
ووصف الزعبي «المجلس الوزاري المشترك للموارد الزراعية والمائية» بأنه فكرة سابقة لأوانها بصيغتها المؤسسية، فالجامعة العربية تملك مجلسا وزاريا للمياه، والاستراتيجية العربية للأمن الغذائي التي أقرتها قمة بغداد في أيار 2025 توفر مظلة سياسية قائمة.
وقال إن الناقص ليس مجلسا إضافيا، بل تبادل منتظم لبيانات الجفاف ورصد الآفات العابرة للحدود عبر القنوات الموجودة، ومراجعة اتفاقية اليرموك لعام 1987 التي أدرجها الأردن وسوريا على جدول مجلسهما التنسيقي.