ليس من السهل فهم شخصية بنيامين نتنياهو من خلال صورته السياسية والإعلامية وحدها، فالرجل الذي أمضى في قمة السلطة الإسرائيلية قرابة 19 سنة، ونجح في العودة إلى رئاسة الحكومة أكثر من مرة، يبدو في خطاباته شديد الثقة بنفسه، صلباً، متماسكاً، وقادراً على مواجهة خصومه ومحيطه، لكن الاقتراب من شخصيته، حسبما يقول من عملوا معه أو تحت إمرته، يكشف مفارقة غريبة في شخصيته، عناد شديد في العلن مع هشاشة نفسية من الداخل، وتعجرف يخفي خوفاً عميقاً من فقدان السلطة.
نتنياهو بات محترفاً في العيش على حافة الهاوية وفي قدرته على البقاء، ولديه قدرة استثنائية على قراءة الجمهور وفهمه، واستخدام اللغة والخطابة التي تناسب جمهوره المستهدف، وتقديم نفسه باعتباره الرجل الذي لا غنى عنه في مواجهة الأخطار والتحديات الأمنية، وتشير دراسات في تحليل شخصيته إلى سمات مرتبطة بالحاجة إلى القوة، والثقة العالية بالنفس، وعدم الثقة بالآخرين، ومقاومة القيود المفروضة عليه، إلا أن مشكلة 'بيبي' هي تحول الثقة إلى يقين، واليقين إلى عناد وغطرسة، فنتنياهو يبدو في كثير من مواقفه كأنه لا يريد فقط أن ينتصر في المعركة السياسية التي يواجهها، بل يريد أن يثبت أنه كان على حق طوال الوقت، وهذه نقطة أساسية لفهم سلوكه، فالرجل لا يحب أن يظهر متراجعاً، ولا يتعامل بسهولة مع فكرة الاعتراف بالخطأ، ولذلك يصبح التراجع بالنسبة له أكثر من مجرد تغيير في الموقف، يصبح تهديداً للصورة التي صنعها لنفسه وعن نفسه باعتباره القائد القادر على حماية إسرائيل وقيادتها، وهنا تظهر مفارقة أخرى: كلما بدا أكثر تعجرفاً، قد يكون أكثر حاجة إلى إثبات قوته.
بعض التحليلات النفسية المنشورة عن شخصيته تصفه بأنه صاحب حضور سلطوي وخطابي طاغٍ، مع ميل إلى الانفصال العاطفي والحذر في علاقاته، فيما تشير تحليلات سياسية أخرى إلى أن غريزة البقاء السياسي وتقديره العالي لذاته لعبا دوراً مهماً في تحولات سلوكه السياسي، وهذا لا يعني أن نتنياهو ضعيف بالمعنى التقليدي للضعف، بل على العكس، فإن قدرته على الصمود والمناورة السياسية والتكيف مع الأزمات واحدة من أبرز سماته، لكن القوة السياسية ليست دائماً دليلاً على القوة الداخلية، أحياناً يتحول الخوف من الخسارة إلى تشبث بالسلطة، ويتحول التشبث إلى تصلب، ويتحول التصلب إلى عدوانية تجاه كل من يهدد الصورة أو الموقع، ويحضرني هنا صورته ولمرات عديدة عندما يكون في جلسات الكنيست ويكون المتحدث شخصية معارضة تكيل له التهم والنقد اللاذع، كنت أراه في غاية الضعف وبوجه مكفهر، وهو ما يدلل على أنه لا يرى نفسه إلا في لحظات القوة، ولذلك ربما يكون مفتاح شخصية نتنياهو في هذه الثنائية: رجل شديد القوة في مواجهة الآخرين، لكنه شديد الحساسية تجاه احتمال أن يفقد السيطرة أو النقد أو حتى التجريح، رجل يرفع صوته عندما يريد أن يبدو حاسماً، ويضاعف عناده عندما يصبح التراجع مكلفاً؛ ورجل بنى جزءاً كبيراً من صورته السياسية على فكرة أنه وحده القادر على حماية إسرائيل وأمنها وأمن الإسرائيليين. المفارقة أن هذه الصورة نفسها أصبحت هي السجن الذي يصعب على نتنياهو الهروب منه، فكلما احتاج نتنياهو إلى إثبات أنه الأقوى، ازداد عجزه عن الاعتراف بالخطأ، وكلما خشي على إرثه السياسي، ازداد تمسكاً بخياراته المغامرة، وهنا لا تعود المسألة مجرد شخصية عنيدة أو متعجرفة، بل تتحول الشخصية نفسها إلى حالة يصعب التعايش أو التعامل معه إلا من قبل من يملكون سيطرة نفسية شبه كاملة عليه كزوجته سارة المتسلطة.
نتنياهو، في النهاية، قد يكون نموذجاً نادراً لرجل تبدو قوته في عناده، بينما يكشف عناده، في الوقت نفسه، مقدار خوفه من أن يبدو ضعيفاً.
ونتنياهو باختصار شديد... هو مزيج معقد من عناد القوة وقوة الخوف؟
Rajatalab5@gmail.com
ماذا لو شرحنا عقل نتنياهو وشخصيته... ماذا سنجد ؟؟؟
11:42 20-9-2026
آخر تعديل :
الأحد