كتاب

نحو وثيقة وطنية رقمية

الهوية الوطنية الأردنية لا تُبنى بالشعارات وحدها، وإنما تتعزز بمعرفة التاريخ الذي تشكلت في سياقه، وبالوثائق التي تحفظ تفاصيله وشهاداته. وكلما اقتربنا من مصادرنا الأصلية، أصبح فهمنا لتاريخ الأردن أكثر عمقاً، وأصبحت روايتنا عن وطننا أكثر قدرة على الصمود أمام النسيان أو الاختزال أو القراءات التي يكتبها الآخرون من خارج تجربتنا.
لقد أصبح متاحاً أمام الباحث الأردني قدر مهم من الوثائق، كما أصبحت الوثيقة الوطنية محمية بموجب قانون الوثائق الوطنية الصادر عام 2017م، وإن كان القانون يشكو من عدم الإنفاذ، إلا أن المؤسسات الوطنية كانت الحافظة الأمينة على وثائقها، كالديوان الملكي الهاشمي، ورئاسة الوزراء، والجيش العربي الأردني، ومركز الوثائق، وبعض المؤسسات الأخرى. وهذا يسهل على الكتابة التاريخية أن تواكب هذا التراكم الوثائقي، وأن تعيد قراءة كثير من الأحداث والمفاصل التي مرت بها الدولة الأردنية، لا بهدف تغيير التاريخ، بل بهدف الاقتراب منه كما تكشفه مصادره.
وليست كتابة التاريخ مجرد استعادة للماضي، ولا جمعاً للأحداث وترتيبها زمنياً، بل هي قراءة للوثيقة، وتحليل للسياق، وفهم للتحولات التي صنعت الوطن وشكلت هويته. ومن هنا، فإن الوثيقة الوطنية ليست ورقة محفوظة في أرشيف، وإنما جزء من ذاكرة الدولة، وشاهد على مسيرتها، ومكوّن أساسي في بناء الرواية التي نعرف من خلالها أنفسنا ونقدم بها تاريخنا للأجيال.
وتكشف تجارب دول أخرى أهمية الوثيقة في إعادة بناء الرواية التاريخية. ففي بعض الدول ظهر منذ عقود تيار «المؤرخين الجدد»، الذي يعمل على الكشف عن هذه الوثائق، وبخاصة الهامة منها، ونشرها، وفتح نقاشاً واسعاً حول عدد من الروايات السائدة، مستنداً إلى وثائق أرشيفية جرى الكشف عنها وإعادة قراءتها. وبغض النظر عن الموقف من أطروحات هذا التيار، فإن التجربة تؤكد أن فتح الأرشيف أمام البحث يمكن أن يحرك الأسئلة ويجدد النقاش الأكاديمي حول التاريخ.
وهنا تبرز حاجتنا في الأردن إلى نقاش تاريخي بُني على «الأرشيفات المحفوظة» أكثر نشاطاً، وإلى تحويل الوثيقة الوطنية إلى مادة حية في الجامعات ومراكز الدراسات والكتب والصحافة. فنحن نمتلك زخماً مهماً من الوثائق، وبعضها لم يأخذ حقه من الدراسة والتحليل، كما أن وثائق موجودة خارج الأردن يمكن أن تضيف إلى فهمنا لتاريخنا السياسي والاجتماعي والاقتصادي.
واليوم، لم تعد القضية مجرد فتح «الأرشيف»، بل رقمنته وإتاحته. فالمعركة الجديدة هي معركة الذاكرة الرقمية. إن بقيت وثائقنا حبيسة الصناديق الحديدية، فسيكتب تاريخنا عبر محركات البحث بذكاء اصطناعي يغذيه الآخرون بمصادرهم. نحن أمام جيل جديد لا يذهب إلى المكتبات العامة ولا إلى المكتبة الوطنية، بل يبحث في هاتفه. فهل وفرنا له الوثيقة الأردنية رقمية، موثقة، محققة، بلغة عصرية؟
إن ترك الوثيقة بلا قراءة يعني ترك جزء من الذاكرة الوطنية خارج دائرة الوعي. كما أن ترك روايتنا التاريخية للآخرين قد يجعل صورتنا عن أنفسنا مرتبطة بما يكتبه غيرنا عنا، بدل أن تكون نابعة من مصادرنا وتجربتنا وذاكرتنا.
لذلك، نحن بحاجة إلى مشروع وطني متكامل: مدرسة أردنية في كتابة التاريخ تجعل الوثيقة أساساً للبحث، والهوية إطاراً لفهم دلالاتها، وأرشيف رقمي وطني موحد يضم وثائق الدولة والعشائر والعائلات، وإدخال مادة «الوثيقة الوطنية» في مناهج الجامعات.
فالتاريخ ليس ماضياً منقطعاً، بل أحد جذور الحاضر وشرعية المستقبل. والدولة التي تحفظ وثيقتها، تحفظ هويتها. والدولة التي تكتب تاريخها بيدها، لا يستطيع أحد أن يكتب لها نهايتها.