هناك سؤال أعتقد أننا لا نطرحه بما يكفي على جامعاتنا: ماذا فعلنا بكل هذه المعرفة التي ننتجها؟
ليس المهم فقط كم بحثًا نشرنا، وكم طالبًا خرّجنا، وكم جامعة تقدمت في التصنيفات. السؤال الأصعب هو: كم فكرة أردنية تحولت إلى منتج؟ وكم منتجًا تحول إلى شركة؟ وكم شركة خرجت من الجامعة واستطاعت أن تبيع شيئًا صُنع في الأردن إلى العالم؟
الأردن بلد محدود الموارد، وهذه حقيقة لن تتغير. ليس لدينا نفط بكميات تصنع اقتصادًا ريعيًا، ولا أنهار ضخمة، ولا سوق محلية بمئات الملايين من المستهلكين. لذلك من غير المنطقي أن نحاول منافسة دول تملك موارد أكبر منا بعشرات المرات، أو مصانع تنتج بمقاييس لا نستطيع مجاراتها.
لكن لدينا شيئًا آخر نستطيع المنافسة به: الإنسان.
لدينا جامعات، وأطباء، ومهندسون، ومبرمجون، وباحثون، وشباب متعلمون. المشكلة ليست في غياب العقول، بل في أننا لم نبنِ بعد النظام الذي يأخذ الفكرة من عقل الباحث ويوصلها إلى السوق.
المسار الطبيعي يجب أن يكون بسيطًا: مشكلة حقيقية، ثم بحث، ثم تقنية، ثم نموذج أولي، ثم منتج، ثم شركة، ثم تصدير.
لكن ما يحدث كثيرًا مختلف. يبدأ البحث من الجامعة وينتهي فيها: بحث، نشر، ترقية، ثم يوضع العمل على الرف ونبدأ بحثًا جديدًا.
وهنا أعتقد أن علينا تغيير طريقة التفكير من أساسها.
الأردن لا يحتاج إلى أن يصنع كل شيء. ولا أعتقد أصلًا أن علينا منافسة الصين أو غيرها في الصناعات التي تقوم ميزتها على الحجم الهائل ورخص الإنتاج. ما نحتاجه هو أن نصنع الأشياء التي تحتاج عقلًا أكثر مما تحتاج مواد.
خذ مثلًا طنًا من الإسمنت. جزء كبير من قيمته مواد خام وطاقة ونقل. وقارنه بجهاز طبي صغير، أو حساس إلكتروني، أو دواء متخصص، أو برنامج يتحكم في مصنع. كمية المادة في هذه المنتجات قد تكون محدودة جدًا، لكن قيمتها الحقيقية موجودة في المعرفة والتصميم والهندسة والملكية الفكرية.
هذا هو الملعب الذي يناسب الأردن.
ولو أردنا أن نبدأ غدًا، فالبداية ليست معقدة. ضعوا فاتورة الاستيراد الأردنية أمام الجامعات، واسألوا: ماذا نستورد ويمكن أن نصنعه هنا؟
إذا كنا نستورد حساسات، فلماذا لا تصبح بعض أنواعها مشاريع مشتركة بين كليات الهندسة والصناعة؟ وإذا كنا نستورد أجهزة طبية، فلماذا لا يجلس الطبيب والمهندس والمصنّع في غرفة واحدة لتطوير بدائل محلية؟ وإذا كانت المياه واحدة من أكبر مشكلات الأردن، فلماذا لا يصبح الأردن نفسه مركزًا لتطوير العدادات الذكية، وتقنيات كشف التسرب، وإدارة شبكات المياه؟
لدينا شح في المياه وتحديات في الزراعة. وبدل أن ننظر إلى المشكلة باعتبارها عبئًا فقط، لماذا لا نحولها إلى مجال نتخصص فيه؟ ري ذكي، وحساسات رطوبة، وزراعة دقيقة، وتقنيات للتعامل مع الجفاف، وبرمجيات لإدارة المياه.
إذا نجح منتج أردني في ظروف الأردن الصعبة، فهناك دول كثيرة تعاني مشكلات مشابهة ويمكن أن تكون سوقًا له.
وهذا يقود إلى دور الجامعة.
أنا لا أريد من الجامعة أن تتحول إلى مصنع ينتج مليون قطعة. هذا ليس عملها. لكنني أريد داخل الجامعة مكانًا يستطيع أن يأخذ الفكرة من الورقة ويحولها إلى شيء يمكن لمسه وتجربته: تصميم، ثم نموذج أولي، ثم اختبار وتعديل واعتماد، وصولًا إلى تصنيع الكمية الأولى.
بعد خمس سنوات، لا أريد أن أسمع من مركز بحثي فقط أنه نشر 200 ورقة علمية. أريد أيضًا أن أعرف: كم منتجًا خرج منه؟ كم منتجًا دخل السوق؟ كم شركة تأسست؟ وكم واحدة منها باعت خارج الأردن؟
حتى الدكتوراه علينا أن ننظر إليها بطريقة مختلفة. طالب يدرس المياه مثلًا، لماذا يكون هدفه النهائي أن يناقش الرسالة ويحصل على الدرجة وتنتهي القصة؟
أعطه مشكلة حقيقية من شركة مياه أو مصنع أو بلدية. قل له: هل تستطيع خفض كلفة هذه العملية 15 في المئة؟ هل تستطيع تقليل الفاقد؟ هل تستطيع تطوير جهاز أرخص أو أدق؟
إذا نجح، فلا تتوقف الرحلة عند المناقشة. تصبح الرسالة براءة اختراع أو تقنية، ثم نموذجًا أوليًا، ثم منتجًا يبحث عن مستثمر، وربما بعد ذلك شركة.
عندها تصبح رسالة الدكتوراه أصلًا اقتصاديًا، لا مجلدًا آخر في مكتبة الجامعة.
لكن هنا نصل إلى المشكلة الأصعب: الباحث قد يصل إلى نموذج أولي، لكن الطريق بين النموذج الأولي والمنتج الذي يباع في السوق ما زال طويلًا. وهذه تحديدًا هي الحلقة التي يجب أن نعرف كيف نبنيها.
ليس المهم فقط كم بحثًا نشرنا، وكم طالبًا خرّجنا، وكم جامعة تقدمت في التصنيفات. السؤال الأصعب هو: كم فكرة أردنية تحولت إلى منتج؟ وكم منتجًا تحول إلى شركة؟ وكم شركة خرجت من الجامعة واستطاعت أن تبيع شيئًا صُنع في الأردن إلى العالم؟
الأردن بلد محدود الموارد، وهذه حقيقة لن تتغير. ليس لدينا نفط بكميات تصنع اقتصادًا ريعيًا، ولا أنهار ضخمة، ولا سوق محلية بمئات الملايين من المستهلكين. لذلك من غير المنطقي أن نحاول منافسة دول تملك موارد أكبر منا بعشرات المرات، أو مصانع تنتج بمقاييس لا نستطيع مجاراتها.
لكن لدينا شيئًا آخر نستطيع المنافسة به: الإنسان.
لدينا جامعات، وأطباء، ومهندسون، ومبرمجون، وباحثون، وشباب متعلمون. المشكلة ليست في غياب العقول، بل في أننا لم نبنِ بعد النظام الذي يأخذ الفكرة من عقل الباحث ويوصلها إلى السوق.
المسار الطبيعي يجب أن يكون بسيطًا: مشكلة حقيقية، ثم بحث، ثم تقنية، ثم نموذج أولي، ثم منتج، ثم شركة، ثم تصدير.
لكن ما يحدث كثيرًا مختلف. يبدأ البحث من الجامعة وينتهي فيها: بحث، نشر، ترقية، ثم يوضع العمل على الرف ونبدأ بحثًا جديدًا.
وهنا أعتقد أن علينا تغيير طريقة التفكير من أساسها.
الأردن لا يحتاج إلى أن يصنع كل شيء. ولا أعتقد أصلًا أن علينا منافسة الصين أو غيرها في الصناعات التي تقوم ميزتها على الحجم الهائل ورخص الإنتاج. ما نحتاجه هو أن نصنع الأشياء التي تحتاج عقلًا أكثر مما تحتاج مواد.
خذ مثلًا طنًا من الإسمنت. جزء كبير من قيمته مواد خام وطاقة ونقل. وقارنه بجهاز طبي صغير، أو حساس إلكتروني، أو دواء متخصص، أو برنامج يتحكم في مصنع. كمية المادة في هذه المنتجات قد تكون محدودة جدًا، لكن قيمتها الحقيقية موجودة في المعرفة والتصميم والهندسة والملكية الفكرية.
هذا هو الملعب الذي يناسب الأردن.
ولو أردنا أن نبدأ غدًا، فالبداية ليست معقدة. ضعوا فاتورة الاستيراد الأردنية أمام الجامعات، واسألوا: ماذا نستورد ويمكن أن نصنعه هنا؟
إذا كنا نستورد حساسات، فلماذا لا تصبح بعض أنواعها مشاريع مشتركة بين كليات الهندسة والصناعة؟ وإذا كنا نستورد أجهزة طبية، فلماذا لا يجلس الطبيب والمهندس والمصنّع في غرفة واحدة لتطوير بدائل محلية؟ وإذا كانت المياه واحدة من أكبر مشكلات الأردن، فلماذا لا يصبح الأردن نفسه مركزًا لتطوير العدادات الذكية، وتقنيات كشف التسرب، وإدارة شبكات المياه؟
لدينا شح في المياه وتحديات في الزراعة. وبدل أن ننظر إلى المشكلة باعتبارها عبئًا فقط، لماذا لا نحولها إلى مجال نتخصص فيه؟ ري ذكي، وحساسات رطوبة، وزراعة دقيقة، وتقنيات للتعامل مع الجفاف، وبرمجيات لإدارة المياه.
إذا نجح منتج أردني في ظروف الأردن الصعبة، فهناك دول كثيرة تعاني مشكلات مشابهة ويمكن أن تكون سوقًا له.
وهذا يقود إلى دور الجامعة.
أنا لا أريد من الجامعة أن تتحول إلى مصنع ينتج مليون قطعة. هذا ليس عملها. لكنني أريد داخل الجامعة مكانًا يستطيع أن يأخذ الفكرة من الورقة ويحولها إلى شيء يمكن لمسه وتجربته: تصميم، ثم نموذج أولي، ثم اختبار وتعديل واعتماد، وصولًا إلى تصنيع الكمية الأولى.
بعد خمس سنوات، لا أريد أن أسمع من مركز بحثي فقط أنه نشر 200 ورقة علمية. أريد أيضًا أن أعرف: كم منتجًا خرج منه؟ كم منتجًا دخل السوق؟ كم شركة تأسست؟ وكم واحدة منها باعت خارج الأردن؟
حتى الدكتوراه علينا أن ننظر إليها بطريقة مختلفة. طالب يدرس المياه مثلًا، لماذا يكون هدفه النهائي أن يناقش الرسالة ويحصل على الدرجة وتنتهي القصة؟
أعطه مشكلة حقيقية من شركة مياه أو مصنع أو بلدية. قل له: هل تستطيع خفض كلفة هذه العملية 15 في المئة؟ هل تستطيع تقليل الفاقد؟ هل تستطيع تطوير جهاز أرخص أو أدق؟
إذا نجح، فلا تتوقف الرحلة عند المناقشة. تصبح الرسالة براءة اختراع أو تقنية، ثم نموذجًا أوليًا، ثم منتجًا يبحث عن مستثمر، وربما بعد ذلك شركة.
عندها تصبح رسالة الدكتوراه أصلًا اقتصاديًا، لا مجلدًا آخر في مكتبة الجامعة.
لكن هنا نصل إلى المشكلة الأصعب: الباحث قد يصل إلى نموذج أولي، لكن الطريق بين النموذج الأولي والمنتج الذي يباع في السوق ما زال طويلًا. وهذه تحديدًا هي الحلقة التي يجب أن نعرف كيف نبنيها.