وفي عالمنا العربي، يكتسب الحوار الإسلامي المسيحي أهميّة خاصة، لأنّ المسلمين والمسيحيين لا يلتقون فقط في المؤتمرات واللجان الرسمية، بل يعيشون معًا يوميًا في الحيّ والمدرسة والجامعة ومكان العمل والوطن الواحد. وخلال العقود الماضية نشأت صداقات بين القيادات الدينية، وتأسست مجالس ومنصّات للحوار، وانطلقت مبادرات رائدة، منها رسالة عمّان، ومبادرة "كلمة سواء"، وأسبوع الوئام العالمي بين الأديان، والزيارات البابوية إلى البلدان العربية والمساجد، وصولًا إلى وثيقة الأخوّة الإنسانية التي وقّعها البابا فرنسيس والإمام الأكبر أحمد الطيب، شيخ الأزهر، في أبوظبي عام 2019.ومن المباردات الراقية تأسيس مركز الملك عبدالله بن عبد العزيز لحوار الأديان والثقافات عام 2012، وانبثقت عنه منصة الحوار والتعاون منذ عام 2017.
وتؤكد الوثيقة أن الحوار لم يعد ترفًا فكريًا أو مجاملة دبلوماسية. ولهذا تبقى كلمات البابا بندكتس السادس عشر بالغة الدلالة حين قال إنّ الحوار بين المسيحيين والمسلمين "لا يمكن اختزاله في أمر اختياري إضافي، بل هو ضرورة حيوية، يعتمد عليها مستقبلنا إلى حد كبير".
لكنّ المرحلة الجديدة تتطلب الانتقال من حوار القاعات إلى حوار الحياة وحوار العمل. فالسؤال ليس فقط: ماذا نؤمن؟ بل أيضًا: ماذا نستطيع أن نفعل معًا من أجل الإنسان؟ كيف يقف المسلم والمسيحي إلى جانب الفقير والمريض واللاجئ والمتألّم؟ كيف يساندان الشباب، ويحميان الأسرة، ويواجهان خطاب الكراهية والتطرّف؟ فالإنسان الجريح لا يسأل أولًا عن هوية اليد التي تمتد إليه، بل يحتاج إلى يد رحيمة.
وتشدّد الوثيقة الجديدة على رفض استخدام الدين لتبرير الإرهاب أو الحرب أو العنف، وتتوقف بوضوح أمام ظاهرة الإسلاموفوبيا أو الخوف من الإسلام، رافضة الخلط بين الإسلام والتطرّف، ومؤكدة أنّ حياة غالبية المسلمين هي حياة سلمية تسهم في بناء مجتمعاتهم. وفي الوقت نفسه تؤكد ضرورة احترام الحرية الدينية وكرامة المؤمنين جميعًا، ورفض اضطهاد أيّ إنسان بسبب إيمانه.
أمّا البابا لاون الرابع عشر، فيضع الحوار في إطار واضح من السلام والعدالة والحقيقة، ويشدّد على أن من يستخدم اسم الله لتبرير الإرهاب أو العنف أو الحرب "يخون طبيعته الحقيقية"، وأنّ القتال باسم الدين هو اعتداء على الدين نفسه.
ويبرز اليوم تحدٍّ جديد هو عصر الذكاء الاصطناعي. وهنا يصبح الحوار الإسلامي المسيحي مدعوًا إلى المساهمة في بناء "أخلاق التكنولوجيا"، ومواجهة الأخبار الزائفة والتحريض الديني، وحماية كرامة الإنسان وخصوصيته، واستخدام الوسائل الرقمية لخدمة السلام والتقارب لا الكراهية والانقسام. انّه عصر "نزع الاسلحة من التقنيات الحديثة"، والمصطلح سيكون عنوانا لرسالة السلام العام المقبل 2027.
بعد ستين عامًا من وثيقة "في عصرنا"، وصولا إلى وثيقة "رحلة رجاء" ، لم يعد المطلوب فقط أن نقول إن المسلمين والمسيحيين قادرون على العيش معًا، بل أن ينتقلوا من التعايش إلى التعاون، ومن التعارف إلى التضامن، ومن الحوار حول الإنسان إلى خدمة الإنسان معًا.