كتاب

النمو وحده لا يكفي... نحو اقتصاد متمحور حول الإنسان

ارتبط مفهوم التقدم الاقتصادي لعقود بالنمو والاستثمار والتشغيل وارتفاع مستويات الدخل والناتج المحلي الإجمالي، وهي مؤشرات أساسية تعكس قوة الاقتصاد وقدرته على التوسع وخلق الفرص، لكن خلف هذه المؤشرات تبقى الغاية الأهم من النشاط الاقتصادي، وهي الإنسان نفسه، فقيمة الازدهار لا تكمن فقط في حجم الثروة التي ينتجها الاقتصاد، بل أيضاً فيما تتيحه للناس من فرص وأمان واستقرار، وما تسهم به في تحسين صحتهم ونوعية ومستوى معيشتهم.
ويقدم الناتج المحلي الإجمالي مثالاً واضحاً على أهمية التوسع بمدى النظر للموضوع، فإنتاج السجائر وبيعها يدخلان ضمن النشاط الاقتصادي، كما يدخل فيه لاحقاً الإنفاق على علاج الأمراض التي قد تنتج عن التدخين، وفي الحالتين هناك حركة اقتصادية تنعكس في الأرقام، رغم أن ارتفاعها لا يعني بالضرورة أن المجتمع أصبح أكثر صحة أو أن حياة أفراده أصبحت أفضل، وفي المقابل هناك جوانب ذات قيمة كبيرة قد لا تظهر بوضوح في الأرقام، مثل الشعور بالأمان، وجودة البيئة المحيطة، والوقت المتاح للأسرة، وقوة العلاقات الاجتماعية.
من هنا تأتي فكرة الاقتصاد المتمحور حول الإنسان، فالنمو يبقى ضرورياً لخلق الوظائف ورفع مستويات الدخل وجذب الاستثمار وتوفير الموارد اللازمة للتنمية، لكن نجاح الاقتصاد يمكن أن يُقرأ أيضاً من خلال أثر هذا النمو على حياة الناس، ومدى اقتران الازدهار بتحسن الصحة والأمان والفرص ونوعية الحياة، فالرفاه ليس بديلاً عن النمو، بل هو جزء من الغاية التي نريد للنمو أن يقود إليها.
وتنعكس هذه النظرة على طريقة تحديد الأولويات، فالوقاية من المرض قد تحقق للمجتمع قيمة أكبر من الإنفاق على علاجه بعد وقوعه، وتقليل الوقت الذي يفقده الناس في الازدحام والتنقل يمنحهم وقتاً للعمل أو الأسرة أو الراحة، كما أن الهواء النظيف، والساحات العامة، والخدمات الأكثر سهولة، والمجتمعات الأكثر ترابطاً، تخلق قيمة يشعر بها الإنسان في حياته اليومية، حتى وإن لم يظهر أثرها بصورة مباشرة في مؤشرات النمو، فليست كل قيمة اقتصادية واجتماعية قابلة للترجمة المباشرة إلى أرقام مالية.
ولا يقتصر وضع الإنسان في مركز الاقتصاد على ما نقيسه، بل يمتد إلى فهم ما يحرك سلوكه وقراراته، فالقرارات الاقتصادية لا تتحرك فقط وفق حسابات الربح والخسارة والحوافز المادية، بل تتأثر بتوقعات الناس للمستقبل، وشعورهم بالأمان، وثقتهم بالمؤسسات، وإحساسهم بالعدالة، وعاداتهم وعلاقاتهم الاجتماعية، وما يرونه من سلوك الآخرين، وهذه العوامل تنعكس على العمل والإنفاق والادخار والاستثمار والمخاطرة، ولذلك فإن فهماً أعمق للاقتصاد يحتاج إلى فهم أعمق للإنسان الذي يصنع هذه القرارات.
وهنا يلتقي البعد الاقتصادي مع البعد الإنساني، فالعلاقة بينهما لا تسير في اتجاه واحد، فالثقة بالمستقبل قد تؤثر في قرارات الاستهلاك والاستثمار، والشعور بالأمان ويزيد الاستعداد لاغتنام الفرص واستغلالها، وتحسن البيئة التي يعيش ويعمل فيها الإنسان لتعزيز مستوى رضاه وإنتاجيته، وبالتالي فإن رفاه الإنسان ليس نتيجة للنشاط الاقتصادي فحسب، بل يمكن أن يكون أيضاً عاملاً في قوته واستدامته، وكلما فهمنا هذه العلاقة بصورة أفضل، أصبح بالإمكان بناء سياسات أقرب إلى واقع الناس وأكثر قدرة على تحقيق أثر ملموس في حياتهم.
فالاقتصاد المتمحور حول الإنسان ليس نموذجاً مختلفاً، ولا دعوة إلى استبدال النمو بالسعادة أو المؤشرات المالية بمؤشرات الرفاه، بل هو توسيع للزاوية التي ننظر منها إلى التقدم، فالقوة الاقتصادية تمنح المجتمعات القدرة على التطور، وفهم الإنسان يساعد على توجيه هذا التطور نحو غايته، لأن الازدهار لا يظهر فقط في حجم الثروة التي يصنعها المجتمع، بل أيضاً في الحياة التي تتيحها هذه الثروة لأفراده.