مجتمع

"تكتكة" الزمن .. حكاية أبو درويش العوالي مع الساعات القديمة

قد تبدو 'تكتكة' ساعة قديمة صوتا عابرا، لكنها بالنسبة إلى أصحابها تحمل ذاكرة أب أو جد وتختزن سنوات لا يزال صداها حاضرا رغم مرور الزمن.
وهذا الصوت يعرفه مازن مصطفى العوالي الملقب بـ'أبو درويش الساعاتي'، الذي أمضى سنوات في إصلاح الساعات محافظا على مهنة ورثها عن والده وتحولت بين يديه إلى حكايات تتجاوز قياس الوقت.
ويقول العوالي لوكالة الأنباء الأردنية (بترا) إن والده بدأ العمل في إصلاح الساعات في بيروت، ثم انتقل إلى حيفا قبل أن يستقر في الأردن، حيث افتتح أول محل له في العقبة عام 1948، وانتقل بعدها إلى عمان وافتتح عدة فروع فيها قبل أن يستقر آخرها في سوق النابلسي دخلة 'مطعم السلام' سابقا.
ويضيف إن والده اختار الأردن لما وجد فيها من أمن وأمان، وما لمسه من طيبة أهلها وكرمهم، مؤكدا أن هذه المسيرة مستمرة حتى اليوم في ظل القيادة الهاشمية.
ويستعيد بدايات علاقته بالمهنة منذ طفولته، حين كان يراقب والده وإخوته وهم يتعاملون مع الساعات وأجزائها الدقيقة، قبل أن يتعلم أسرارها بالمشاهدة والممارسة، وكان أصغر إخوته الذين تعلموا المهنة، لتنتقل إليه خبرة الأسرة وتصبح الحرفة جزءا من حياته، واستمرارا لاسم والده الذي يشكل له مصدر فخر واعتزاز.
ويستحضر ما كان والده يرويه عن سوق الساعات في وسط عمان قديما، حين لم يكن عدد أصحاب المهنة يتجاوز أصابع اليد الواحدة، تجمعهم علاقة مهنية وإنسانية تقوم على التعاون وتقاسم الرزق، بعيدا عن احتكار الزبائن أو الاستئثار بالعمل.
ويروي أن الساعاتيين كانوا يتقاسمون الفطور يوميا، فيتناولونه كل يوم عند أحدهم، كما كانوا يحرصون على توزيع الزبائن فيما بينهم، فإذا 'استفتح' أحدهم بزبون ثم جاءه آخر، وجهه إلى زميل لم يأته زبون بعد، حتى يجد الجميع نصيبهم من العمل والدخل ويتمكن كل واحد منهم من إعالة بيته وأولاده، وكانوا يرون في ذلك بابا للبركة في الرزق وتجسيدا للتكافل، فالمهنة بالنسبة إليهم مصدر عيش يتسع للجميع، وليس مجالا للجشع واحتكار الزبائن.
ويوضح أن صناعة الساعات شهدت تحولات مع ظهور أنواع جديدة، من الساعات الإلكترونية و'الكوارتز' إلى الساعات التي تعمل بالبطاريات والأوتوماتيكية، فيما أصبح إصلاح بعض القطع القديمة أكثر صعوبة بعد توقف مصانع عن إنتاج أجزاء وقطع غيار خاصة بها.
ويبين أن الساعات التي تصل إلى متجره قد تكون متوقفة بسبب الأوساخ أو الإهمال أو تلف بعض أجزائها، إلا أن بعضها يأتي محملا بقصة تتجاوز العطل نفسه، فقد تكون ساعة أب أو أم أو جد، ويطلب صاحبها إصلاحها لاستعادة صوت ارتبط بذاكرته.
ويلفت إلى أن عودة العقارب إلى الحركة قد تحرك مشاعر أصحابها إلى حد البكاء، لا سيما عندما تكون الساعة مرتبطة بشخص عزيز أو مرحلة مهمة من حياتهم، معتبرا هذه اللحظات من أجمل ما تمنحه المهنة.
ويرى أن قيمة الساعة لا ترتبط دائما بسعرها، إذ تكتسب بعض القطع قيمتها من ذكرياتها والأشخاص الذين ارتبطت بهم، بالإضافة إلى أن القيمة الزمنية لها كتحف نادرة لا تقدر بثمن أحيانا، لذلك يتعامل مع الساعات القديمة بعناية ولا ينظر إليها باعتبارها مجرد أدوات لقياس الوقت.
ويربط بين اقتناء الساعة ومعاني الدقة والانضباط واحترام الوقت، معتبرا أنها ما تزال تحمل حضورا خاصا في حياة الناس، لا باعتبارها وسيلة لمعرفة الوقت فحسب، وإنما رمزا للالتزام والأناقة، مؤكدا أن مهنة الساعاتي تحتاج إلى الصبر والدقة وحب التفاصيل، داعيا الشباب إلى تعلم هذه الحرفة، فيما أبدى استعداده لاستقبال أي شاب يرغب في اكتساب مهاراتها وأسرارها دون مقابل مادي.
ويكشف عن فكرة يسعى إلى تنفيذها مستقبلا، تتمثل في إنشاء مركز أو معهد متخصص في تدريب المهتمين بإصلاح الساعات القديمة، بما فيها ساعات الحائط والمنبهات، بهدف نقل الخبرة إلى جيل جديد والحفاظ على المهنة من الاندثار.
في دكانه بوسط عمان، لا تزال الساعات القديمة تقاوم صمت الزمن، يضع أبو درويش العوالي يده على عقاربها المتوقفة، يعيد إليها حركتها وكأنه يمنح لحظات مضت فرصة أخرى للحياة، بينما تتسارع عقارب العصر يبقى هو متمسكا بصوت قديم، يخشى أن يصمت ذات يوم.