محليات > العاصمة

التراث العمراني لمدينة الكرك.. وثيقة حَيَّة لذاكرة المكان والإنسان

دعوات لتوثيق وترميم المباني القديمة

تزخر مدينة الكرك القديمة بتاريخ بهي وقلعة أثرية وبيوت تراثية قديمة ومعالم أثرية ودينية تشكل في مجموعها نسيجًا عمرانيًا متكاملًا بعناصر معمارية مميزة تعكس العمق التاريخي والحضاري للمدينة وتطورها عبر الازمنة، كما وتظهر طبيعة المجتمع المحلي.
ويرى باحثون ومعنيون بالشأن التراثي والمعماري في الكرك ان قيمة المباني القديمة تتجاوز بوصفها منشآت مادية إلى كونها وثيقة حية تحمل ذاكرة المكان والإنسان، مشيرين الى ان الحفاظ على النسيج المعماري القديم في مدينة الكرك يتطلب إعداد استراتيجيات متكاملة بمشاركة الجهات الرسمية والمجتمع المحلي لتوثيق وترميم البيوت والمباني القديمة باعتماد أساليب هندسية دقيقة تحافظ على الطابع المعماري والحجري الأصيل للبيوت التراثية وعدم إزالتها وحمايتها من زحف البناء الحديث واستغلالها لأغراض سياحية بتحويلها إلى متاحف، ومراكز حرف يدوية، ومطاعم ومقاهٍ ونزل تراثية.
وأشاروا إلى أهمية تطبيق ممارسات سياحية صديقة للبيئة وإعادة إحياء الشوارع والأسواق القديمة بتطوير ممرات المشاة وربط المواقع التراثية ببرامج الأنشطة السياحية ودعم المبادرات المحلية في صون التراث بما يدعم التنمية المحلية ويوفر فرص عمل.
وقال الباحث وسام الجعفري لـ «$» يُشكّل التراث المعماري لمدينة الكرك أحد أبرز الشواهد المادية على عمقها الحضاري وتنوع مراحلها التاريخية؛ إذ تعاقبت على المدينة حضارات وحقب تاريخية متعددة، بدءًا من العصور المؤابية والنبطية والرومانية والبيزنطية، مرورًا بالعصور الإسلامية، وصولًا إلى العهد العثماني ومرحلة الإمارة وما تلاها من تحولات عمرانية حديثة.
وأضاف «لقد أسهم الموقع الجغرافي للكرك، القائمة على هضبة مرتفعة ومحصنة طبيعيًا، في تشكيل خصائصها العمرانية، فارتبط البناء فيها بضرورات الحماية والدفاع، إلى جانب متطلبات الحياة الاجتماعية والاقتصادية للسكان.
وأشار الى ان قلعة الكرك تتقدم المشهد المعماري والتاريخي للمدينة، بوصفها من أبرز القلاع التاريخية في بلاد الشام، وقد ارتبطت مراحل بنائها وتطورها بالعهد الصليبي، ثم شهدت تعديلات وإضافات خلال العصور الأيوبية والمملوكية والعثمانية، ولم تقتصر أهمية القلعة على وظيفتها الدفاعية، بل أصبحت عنصرًا أساسيًا في تشكيل هوية المدينة ومشهدها العمراني، وشاهدًا على التحولات السياسية والعسكرية التي مرت بها الكرك عبر القرون.
وتابع الجعفري، «لا تنحصر قيمة التراث المعماري في القلعة وحدها، بل تمتد إلى النسيج العمراني للمدينة القديمة، بما يضمه من بيوت تراثية ومساجد ومقامات وأسواق ومبانٍ عامة ودينية فقد اعتمد البناء التقليدي بصورة أساسية على الحجر الجيري المحلي، الذي أتاح للسكان تشييد مبانٍ تتلاءم مع طبيعة البيئة والمناخ، واستخدمت في العمارة الأقواس والعقود الحجرية والقناطر والأسقف المقببة، إلى جانب الأفنية والساحات الداخلية، وهي عناصر أسهمت في تحقيق التوازن بين المتانة والوظيفة والجمال».
وأوضح ان الأحياء القديمة في المدينة، تكشف عن نمط عمراني متماسك يتمثل في الأزقة الضيقة والبيوت المتلاصقة والممرات والساحات، وهي عناصر لم تكن مجرد مكونات إنشائية، وإنما ارتبطت بنمط الحياة الاجتماعية للسكان، وبطبيعة العلاقات الأسرية والتجارية والمجتمعية التي سادت المدينة كما ساهمت الأسواق القديمة والمرافق العامة والمساجد، في ترسيخ مكانة الكرك بوصفها مركزًا إداريًا وتجاريًا ودينيًا في جنوب بلاد الشام.
وعن المباني التي تعود إلى أواخر العهد العثماني وبدايات عهد الإمارة، فبين انها اكتسب أهمية خاصة في دراسة تطور العمارة والإدارة المحلية في الكرك؛ إذ تعكس انتقال المدينة تدريجيًا من أنماط البناء التقليدية إلى أنماط أكثر ارتباطًا بالمؤسسات الإدارية والتعليمية والخدمية الحديثة والتحولات السياسية والإدارية والاجتماعية التي شهدتها الكرك خلال تلك المرحلة. وأكد أن التراث المعماري للكرك، في مجموعه، يعد سجلًا ماديًا حيًا لذاكرة المدينة، حيث تتداخل فيه طبقات التاريخ مع تفاصيل الحياة اليومية للسكان، لذلك فإن المحافظة على الأبنية والمواقع التراثية لا ينبغي أن تقتصر على الترميم الإنشائي، بل يجب أن تقوم على التوثيق العلمي، ودراسة مواد البناء وطرائق الإنشاء، وتحديد القيمة التاريخية لكل مبنى، والمحافظة على النسيج العمراني. المتكامل للمدينة القديمة.
ومن هنا، زاد الجعفري تبرز أهمية توظيف التراث المعماري للكرك في مجالات التوثيق التاريخي والسياحة الثقافية والتنمية المحلية المستدامة، مع إشراك المجتمع المحلي في حمايته والتعريف به، على اعتبار ان المبنى التراثي ليس حجرًا صامتًا، وإنما وثيقة تحمل ذاكرة المكان، وتروي جانبًا من تاريخ الإنسان الكركي، وتربط الحاضر بمراحل متعاقبة من تاريخ المدينة الذي يشكل جزءًا أصيلًا من الهوية الوطنية الأردنية.
وفي حفل أقيم في مركز الحسن الثقافي تم اشهار مشروع » دراسات معمارية لإحياء مدينة الكرك»، أعدها طلبة قسم الهندسة المعمارية في جامعتي مؤتة والأردنية وباشراف ومتابعة نخبة من اعضاء الهيئة التدريسية وبتعاون بناء مع مؤسسة اعمار الكرك، تم خلاله اعادة قراءة الفراغات التاريخية في مدينة الكرك وتوثيق (6) مناطق بمواقعها الأثرية ومبانيها التراثية وتقديم تصورات تصميمية تفكك وتعيد تركيب ارث الكرك الحضاري وتربط الماضي بآفاق المستقبل الواعد.
وفي هذا الاطار صرح رئيس مجلس مؤسسة إعمار الكرك المهندس سمير الحباشنه ان اشهار هذه الدارسات ستكون نقطة الانطلاق لتنفيذها على راض الوقع حيث ستعمل المؤسسة على تبنيها ضمن مشاريع اللجنة الملكية المكلفة بتطوير مدينة الكرك ضمن جملة المشاريع التي تعمل اللجنة على انجازها انفاذا للرؤية الملكية السامية لتبقى الكرك بتاريخها العابق بالعراقة والاصالة مدينة نابضة بالحياة ترؤي حكايات الماضي وتحافظ على عبقها برؤية هندسية عصرية.
بدوره قال مدير مديرية سياحة محافظة الكرك ساطع المساعدة ان اللجنة الوطنية لحماية التراث العمراني والحضري التي يرأسها وزير السياحية وتضم في عضويتها المؤسسات الحكومية المعنية وخبراء هي الجهة المسؤولة عن وضع الأسس والمعايير الكفيلة بالحفاظ على التراث العمراني والحضري والتنسيب لمجلس الوزراء باعتماد المواقع التراثية وتوثيقها وإدراجها في سجل التراث العمراني بعد دراستها وتقييمها من قبل اللجنة الفنية المختصة.
وبين ان مدينة الكرك تضم العديد من المباني التراثية والاثرية سواء المملوكة للوزارة او المسجلة كوقف اسلامي ومسيحي و تم لغاية الان تسجيل (12) مبنى ضمن سجل التراث العمراني.