عربي ودولي

غزة بين خطة سلام معلّقة وحرب لا تتوقف

ارتفاع عدد الشهداء جراء انهيار مبنى يؤوي نازحين

واقع القطاع يزداد قتامة مع استمرار العدوان الإسرائيلي
مجلس السلام يقترح وقف العمليات العسكرية لبدء نزع سلاح حماس

استشهد 20 فلسطينيًا، بينهم 8 أطفال و6 نساء، وأصيب أكثر من 25 آخرين، فيما لا يزال نحو 100 شخص في عداد المفقودين، إثر انهيار مبنى سكني مكوّن من ستة طوابق في شارع الصناعة غربي مدينة غزة، الأربعاء، وفق ما أفاد به الدفاع المدني في القطاع، في وقت تتواصل فيه المساعي الدبلوماسية لوقف الحرب، بينما يزداد الواقع الميداني قتامة مع استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية وتفاقم الأزمة الإنسانية.
ويأتي انهيار المبنى في وقت تحاول فيه الولايات المتحدة الدفع بخطة سلام من 15 نقطة عبر ما يسمى «مجلس السلام»، برئاسة نيكولاي ملادينوف، تتضمن وقف الحرب، وفتح المعابر، والسماح بدخول المساعدات الطبية والغذاء والمياه، وتهيئة الظروف لإعادة إعمار قطاع غزة، وصولًا إلى نزع سلاح حركة حماس. إلا أن الخطة تواجه عقبات سياسية وميدانية، في مقدمتها الرفض الإسرائيلي الرسمي لترتيب خطواتها، بالتزامن مع استمرار العمليات العسكرية، بما في ذلك القصف والاغتيالات وتدمير البنى التحتية.
وبحسب ما نقله الوسطاء، طرح ملادينوف مقترحًا يتضمن «14 يومًا من الهدوء»، مع استثناء العمليات التي تقول إسرائيل إنها تستهدف تهديدات فورية، على أن تُستغل هذه الفترة لبدء نزع سلاح حماس «طوعًا». وقال ملادينوف: «إذا بدأت حماس في تفكيك نفسها بوتيرة سريعة وقدمت جميع إحداثيات الأنفاق، فسيكون ذلك ممتازًا»، مضيفًا: «إذا لم تنزع حماس سلاحها، فسيحصل الجيش الإسرائيلي على دعم دولي للقيام بذلك بالقوة».
وأثار هذا الموقف تحفظات لدى الوسطاء القطريين والمصريين والأتراك، الذين رأوا أنه لا يقدم ضمانات واضحة بشأن التزام إسرائيل بوقف القتال، أو فتح المعابر، أو إدخال المساعدات الطبية والمياه والكهرباء، أو البدء بإعادة الإعمار.
وشدد ملادينوف، عقب اجتماعه برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، على أن التقدم في تنفيذ الخطة سيكون قائمًا على «الأداء»، وأن آلية التنفيذ ستعتمد نهج «ألا نثق بشيء وأن نتحقق من كل شيء». وأوضح في تصريحات لاحقة أن الهدف من الخطة هو «ضمان ألا يشكل قطاع غزة مجددًا تهديدًا لأمن إسرائيل».
في المقابل، لا تتضمن المواقف الإسرائيلية، وفق ما ورد في المادة، التزامات مماثلة بشأن وقف العمليات أو معالجة تداعيات استهداف خيام النازحين والمنشآت والبنى التحتية، بما فيها الطرق والآبار والمستشفيات والمدارس ومراكز الإيواء.
وجدد نتنياهو رسميًا رفض حكومته وثيقة النقاط الـ15، وقال خلال جلسة الحكومة الأسبوعية: «أريد أن أوضح هنا: إسرائيل ترفض وثيقة النقاط الـ15»، مؤكدًا أن الجيش الإسرائيلي لن ينفذ أي انسحاب قبل نزع سلاح حماس.
وقال نتنياهو: «عندما أقول إن حماس يجب أن تنزع سلاحها، أعني الأسلحة الثقيلة، والأسلحة الأخف، وكل الأسلحة.. ونتحدث عن نزع سلاح حقيقي، وليس وهميًا».
ويتمحور الخلاف الأساسي حول الترتيب الزمني لتنفيذ الخطوات؛ إذ تنص الخطة، بحسب النص المطروح، على انسحاب إسرائيلي متزامن ومنسق مع عملية نزع السلاح وعلى مراحل متبادلة، بينما تصر إسرائيل على أن يتم نزع سلاح حماس أولًا، قبل أي انسحاب أو خطوات مقابلة.
وفي انعكاس لهذا الخلاف على عمل «مجلس السلام»، أفادت صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية بأن مسؤولين إسرائيليين، بينهم أعضاء في مجلس الأمن القومي ووزارة الدفاع وضباط في القيادة الجنوبية، يرفضون التعاون مع المجلس بصورة علنية.
ونقلت الصحيفة عن مصدر مطلع قوله إن المسؤولين «لم يعودوا يحاولون إخفاء ذلك»، فيما ربط التقرير هذه العرقلة، بحسب مصادره، بالانتخابات الإسرائيلية المقبلة المقررة في 27 تشرين الأول، وسط مخاوف لدى مسؤولين إسرائيليين من أن يؤدي تنفيذ الخطة إلى ظهورهم بمظهر من يقدم تنازلات كبيرة أو «يبيع إسرائيل»، وفق التعبير الوارد في التقرير.
وفي ظل هذا التجاذب السياسي، تتواصل المأساة الإنسانية في قطاع غزة، حيث أفادت وزارة الداخلية في غزة بأن عدد الموجودين داخل المبنى الذي تعرض للقصف الإسرائيلي الأربعاء كان يُقدّر بنحو 100 شخص، فيما واصلت طواقم الدفاع المدني عمليات البحث والإنقاذ لأكثر من 15 ساعة متواصلة، وسط ظروف بالغة الصعوبة وشح في المعدات والإمكانات.
وحذرت الوزارة من أن مئات المنازل والمباني المتضررة والآيلة للسقوط في القطاع باتت تشكل خطرًا متزايدًا على حياة السكان، خصوصًا مع اقتراب فصل الشتاء، وقالت إن المأساة الجديدة «تدق من جديد ناقوس الخطر أمام المجتمع الدولي»، محذرة من أن مئات المباني المعرضة للانهيار قد تسقط في أي لحظة.
وأشارت الوزارة إلى أن آلاف الشهداء لا يزالون تحت أنقاض المباني المدمرة، بانتظار انتشال جثامينهم، في ظل محدودية إمكانات فرق الإنقاذ.
ورغم اتفاق وقف إطلاق النار الساري منذ 11 تشرين الأول 2025، تقول الجهات الفلسطينية إن القوات الإسرائيلية تواصل عملياتها العسكرية في القطاع.
وفي 16 أيلول 2026 وحده، استشهد فلسطيني وأصيب تسعة آخرون في قصف استهدف تجمعًا للمدنيين قرب شارع صلاح الدين في مخيم البريج وسط القطاع.
وقالت مي الشيخ، المتحدثة باسم مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في فلسطين، إن أكثر من 880 فلسطينيًا سقطوا برصاص وقوات الاحتلال منذ سريان الاتفاق، وإن إسرائيل حولت الهدنة إلى «غطاء لعمليات قتل مستمرة»، مشيرة إلى سقوط 180 مدنيًا في مراكز النزوح والشوارع العامة.
من جهته، قال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إن إسرائيل «لا تقبل تنفيذ خطة السلام بصيغتها الحالية»، مشيرًا إلى أن الجهود الأميركية لدفع تنفيذ «المرحلتين الأولى والثانية» من الخطة اصطدمت مجددًا بالرفض الإسرائيلي.
وأكد غوتيريش أن «لن يكون هناك سلام في الشرق الأوسط دون حل الأزمة الفلسطينية-الإسرائيلية»، في إشارة إلى ارتباط أي تسوية دائمة بإنهاء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
ووجهت وزارة الداخلية والأمن الوطني في غزة نداءً عاجلًا إلى الجهات الدولية والوسطاء والضامنين لاتفاق وقف إطلاق النار، مطالبة بإدخال مساكن مؤقتة بصورة عاجلة، وتوفير بدائل إيواء آمنة لمئات الآلاف من النازحين، فضلًا عن تزويد الدفاع المدني بالمعدات والإمكانات اللازمة لتنفيذ عمليات الإنقاذ وانتشال الضحايا من تحت الأنقاض.
وحذرت الوزارة من أن تآكل الخيام ومنع إدخال المساكن المؤقتة، بالتزامن مع اقتراب فصل الشتاء، يزيدان من مخاطر انهيار المزيد من المباني المتضررة بفعل الرياح والأمطار، ما يهدد حياة آلاف النازحين الذين يعيشون في ظروف إنسانية قاسية.
وحملت الوزارة إسرائيل مسؤولية استمرار ما وصفته بـ«جريمة الإبادة الجماعية»، متهمة إياها بمواصلة القتل والاغتيالات وإطلاق النار والقصف المدفعي، إلى جانب منع إدخال المساعدات ومواد الإعمار والمستلزمات الطبية.
ويكشف المشهد في غزة عن فجوة متزايدة بين المسار الدبلوماسي والواقع الميداني؛ ففي الوقت الذي تُطرح فيه خطط لإنهاء الحرب وفتح المعابر وإعادة الإعمار ونزع السلاح، تستمر العمليات العسكرية ويسقط المزيد من الضحايا، بينما تنهار مبانٍ متضررة فوق رؤوس النازحين.
ومع تحذيرات الأمم المتحدة واستمرار سقوط الضحايا، في ظل إعلان أعداد الشهداء عن 73,795 شهيدًا وآلاف آخرين لا يزالون تحت الأنقاض، إلى جانب مئات المباني المهددة بالانهيار، تبدو ترجمة أي خطة سياسية إلى إجراءات ميدانية قادرة على وقف النزيف الإنساني مرهونة بتجاوز الخلاف حول ترتيب الخطوات وضمان التزام الأطراف بتنفيذها.