جاءت زيارة الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، قبل أيام إلى موقع المغطس لتؤكد الاهتمام الملكي بهذا المكان الديني والتاريخي، وأهمية تعزيز حضوره على خريطة الحج المسيحي العالمي، خاصة مع استعداد الأردن لإحياء ذكرى الألفية الثانية لمعمودية السيد المسيح عام 2030. وتنسجم هذه الزيارة مع الرعاية التي يوليها جلالة الملك للمغطس والوجود المسيحي في الأردن، والتي برزت مؤخرا في توجيه الحكومة إلى دعم مبادرة مجلس رؤساء الكنائس في الأردن لإحياء هذه المناسبة، وتشكيل لجنة وطنية برئاسة رئيس الوزراء، تضم قيادات دينية مسيحية وشخصيات مجتمعية للتحضير لها والإشراف على تنفيذها.
ولا يمكن النظر إلى هذا التوجه بمعزل عن الإرث الهاشمي الراسخ في رعاية المقدسات، وفي مقدمتها الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس. فهذا الدور التاريخي يقوم على صون الحضور الديني الإسلامي والمسيحي، ومن هذا المنظور تكتسب العناية بالمغطس دلالة تتجاوز المحافظة على موقع ديني مسيحي ذي أهمية عالمية، لتشكل امتدادا للالتزام الهاشمي بحماية الإرث الديني للمنطقة.
وإلى جانب بعده التاريخي والديني، يستند هذا الاهتمام إلى أساس دستوري واضح؛ فالمادة (14) من الدستور لم تكتف بإقرار حرية القيام بشعائر الأديان والعقائد، وإنما أوجبت على الدولة حمايتها، بما يرتب عليها التزاما إيجابيا بتهيئة الظروف اللازمة لممارستها وصون الأماكن الدينية واحترام خصوصيتها. كما كرس المشرع الدستوري مبدأ المساواة في المادة (6)، التي تنص على أن الأردنيين أمام القانون سواء، لا تمييز بينهم في الحقوق والواجبات وإن اختلفوا في العرق أو اللغة أو الدين.
ويشكل المسيحيون في الأردن مكونا أصيلا من المجتمع الأردني وشركاء في هويته ومسيرة دولته. فقد أسهموا منذ تأسيس الدولة في بناء مؤسساتها، وكان لهم حضور فاعل في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. ومن هنا، فإن المحافظة على الوجود المسيحي والاعتزاز به يعكسان طبيعة الدولة الأردنية وهويتها الوطنية الجامعة.
ولا تقف أهمية المغطس عند أبعاده الدينية والوطنية، بل يحمل بعدا دوليا مهما، فهو ليس مجرد موقع أثري أو مقصد سياحي، وإنما موقع يرتبط بتاريخ المسيحية وذاكرتها الدينية. وقد أدرجته منظمة اليونسكو عام 2015 على قائمة التراث العالمي، بما يؤكد قيمته العالمية الاستثنائية ومكانته باعتباره موقع معمودية السيد المسيح، ويعزز حضوره على خريطة الحج المسيحي العالمي.
وتزداد أهمية هذا الاعتراف الدولي في تثبيت المغطس على الضفة الشرقية لنهر الأردن بوصفه الموقع التاريخي لمعمودية السيد المسيح، في مواجهة محاولات ربط المعمودية بالضفة الأخرى. فالمسألة تتجاوز الترويج لموقع ديني أردني إلى تأكيد حقيقة تاريخية تستند إلى الشواهد الأثرية والاعتراف الدولي ومكانة الموقع لدى الكنائس المسيحية. ومن هنا، يسهم تطوير المغطس وتعزيز حضوره عالميا في حماية الرواية التاريخية وترسيخ موقع الأردن في الجغرافيا الدينية المسيحية.
ولا تنفصل هذه المكانة الدولية عن الرسالة التي يقدمها الأردن إلى العالم بأن المسيحية ليست مجرد جزء من تاريخ المنطقة، وإنما مكون أصيل من حاضر الأردن وهويته الوطنية. فالأردن وطن للسلام والأمان واحترام التعدد الديني، ولم تقم العلاقة بين المسلمين والمسيحيين فيه على منطق الأكثرية والأقلية، وإنما على أساس المواطنة والشراكة في بناء الدولة. وما شهدته بعض دول المنطقة من صراعات وانقسامات طائفية وتراجع للوجود المسيحي لا يجد له بيئة حاضنة في الأردن، الذي حافظ على وحدة نسيجه الوطني وتماسكه في مختلف الظروف.
وعليه، فإن الاستعداد لذكرى الألفية الثانية لمعمودية السيد المسيح عام 2030 يتجاوز الاحتفاء بمناسبة دينية عالمية، ليشكل فرصة لتأكيد المكانة التاريخية والدينية والدولية للمغطس الأردني، وتثبيته عالميا بوصفه موقع معمودية السيد المسيح، وإبراز الإرث الهاشمي في رعاية المقدسات الإسلامية والمسيحية، وتقديم رسالة إلى العالم بأن الوجود المسيحي جزء أصيل من هوية الأردن الوطنية والدستورية، وأن حماية التعدد الديني وصون المقدسات نهج راسخ في مسيرة الدولة الأردنية.
* أستاذ القانون الدستوري في كلية الحقوق في الجامعة الأردنية
laith@lawyer.com
ولا يمكن النظر إلى هذا التوجه بمعزل عن الإرث الهاشمي الراسخ في رعاية المقدسات، وفي مقدمتها الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس. فهذا الدور التاريخي يقوم على صون الحضور الديني الإسلامي والمسيحي، ومن هذا المنظور تكتسب العناية بالمغطس دلالة تتجاوز المحافظة على موقع ديني مسيحي ذي أهمية عالمية، لتشكل امتدادا للالتزام الهاشمي بحماية الإرث الديني للمنطقة.
وإلى جانب بعده التاريخي والديني، يستند هذا الاهتمام إلى أساس دستوري واضح؛ فالمادة (14) من الدستور لم تكتف بإقرار حرية القيام بشعائر الأديان والعقائد، وإنما أوجبت على الدولة حمايتها، بما يرتب عليها التزاما إيجابيا بتهيئة الظروف اللازمة لممارستها وصون الأماكن الدينية واحترام خصوصيتها. كما كرس المشرع الدستوري مبدأ المساواة في المادة (6)، التي تنص على أن الأردنيين أمام القانون سواء، لا تمييز بينهم في الحقوق والواجبات وإن اختلفوا في العرق أو اللغة أو الدين.
ويشكل المسيحيون في الأردن مكونا أصيلا من المجتمع الأردني وشركاء في هويته ومسيرة دولته. فقد أسهموا منذ تأسيس الدولة في بناء مؤسساتها، وكان لهم حضور فاعل في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. ومن هنا، فإن المحافظة على الوجود المسيحي والاعتزاز به يعكسان طبيعة الدولة الأردنية وهويتها الوطنية الجامعة.
ولا تقف أهمية المغطس عند أبعاده الدينية والوطنية، بل يحمل بعدا دوليا مهما، فهو ليس مجرد موقع أثري أو مقصد سياحي، وإنما موقع يرتبط بتاريخ المسيحية وذاكرتها الدينية. وقد أدرجته منظمة اليونسكو عام 2015 على قائمة التراث العالمي، بما يؤكد قيمته العالمية الاستثنائية ومكانته باعتباره موقع معمودية السيد المسيح، ويعزز حضوره على خريطة الحج المسيحي العالمي.
وتزداد أهمية هذا الاعتراف الدولي في تثبيت المغطس على الضفة الشرقية لنهر الأردن بوصفه الموقع التاريخي لمعمودية السيد المسيح، في مواجهة محاولات ربط المعمودية بالضفة الأخرى. فالمسألة تتجاوز الترويج لموقع ديني أردني إلى تأكيد حقيقة تاريخية تستند إلى الشواهد الأثرية والاعتراف الدولي ومكانة الموقع لدى الكنائس المسيحية. ومن هنا، يسهم تطوير المغطس وتعزيز حضوره عالميا في حماية الرواية التاريخية وترسيخ موقع الأردن في الجغرافيا الدينية المسيحية.
ولا تنفصل هذه المكانة الدولية عن الرسالة التي يقدمها الأردن إلى العالم بأن المسيحية ليست مجرد جزء من تاريخ المنطقة، وإنما مكون أصيل من حاضر الأردن وهويته الوطنية. فالأردن وطن للسلام والأمان واحترام التعدد الديني، ولم تقم العلاقة بين المسلمين والمسيحيين فيه على منطق الأكثرية والأقلية، وإنما على أساس المواطنة والشراكة في بناء الدولة. وما شهدته بعض دول المنطقة من صراعات وانقسامات طائفية وتراجع للوجود المسيحي لا يجد له بيئة حاضنة في الأردن، الذي حافظ على وحدة نسيجه الوطني وتماسكه في مختلف الظروف.
وعليه، فإن الاستعداد لذكرى الألفية الثانية لمعمودية السيد المسيح عام 2030 يتجاوز الاحتفاء بمناسبة دينية عالمية، ليشكل فرصة لتأكيد المكانة التاريخية والدينية والدولية للمغطس الأردني، وتثبيته عالميا بوصفه موقع معمودية السيد المسيح، وإبراز الإرث الهاشمي في رعاية المقدسات الإسلامية والمسيحية، وتقديم رسالة إلى العالم بأن الوجود المسيحي جزء أصيل من هوية الأردن الوطنية والدستورية، وأن حماية التعدد الديني وصون المقدسات نهج راسخ في مسيرة الدولة الأردنية.
* أستاذ القانون الدستوري في كلية الحقوق في الجامعة الأردنية
laith@lawyer.com