الزويري: السوق بحاجة متزايدة إلى فنيين وتقنيين
النوايسة: «بيتك» يغير معادلة التعليم
لم يعد مستقبل الطالب يقاس فقط بقدرته على اجتياز الامتحان أو الحصول على معدل مرتفع، بل باتت المهارة التي يمتلكها وقدرته على تحويل المعرفة إلى عمل وإنتاج جزءا أساسيا من معادلة النجاح.
ومن هنا يبرز التوسع في التعليم المهني والتقني في المملكة باعتباره محاولة لإعادة صياغة العلاقة بين المدرسة وسوق العمل، وفتح مسارات تعليمية تمنح الطلبة خيارات أوسع بين مواصلة الدراسة الجامعية والانخراط في الحياة المهنية.
ويرى خبيران تربويان أن تجربة «BTEC» تمثل تحولا مهما في فلسفة التعليم الثانوي، ليس باعتبارها مجرد مسار بديل للتعليم الأكاديمي، وإنما لكونها تدفع باتجاه تعليم أكثر ارتباطا بالتطبيق والممارسة، وتعيد الاعتبار للمهارات الفنية والتقنية التي يحتاجها الاقتصاد الأردني بصورة متزايدة.
ويجمع الخبيران على أن التحدي الأكبر يتمثل في تغيير الثقافة المجتمعية تجاه التعليم المهني، بحيث لا يبقى خيارا يلجأ إليه الطالب عندما لا يحقق المعدل الذي يؤهله للمسار الأكاديمي، وإنما يصبح خيارا تعليميا ومهنيا قائما بذاته، يختاره الطالب عن معرفة وقناعة بما يتيحه من فرص.
من جهته، يقول الخبير التربوي عايش النوايسة إن أهمية هذا التحول تكمن في الانتقال من نموذج تعليمي يركز بدرجة كبيرة على حفظ المعرفة واسترجاعها في الامتحانات، إلى نموذج يضع الطالب أمام مشروعات ومهام ومواقف عملية، ويطالبه بتوظيف ما تعلمه لإنتاج حلول أو أعمال قابلة للتطبيق.
ويؤكد النوايسة أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى الاستثمار في الكوادر التعليمية والبيئات التطبيقية، وإلى شراكات حقيقية مع القطاع الخاص، حتى تكون المهارات التي يكتسبها الطالب متوافقة مع ما يحتاجه أصحاب العمل فعليا، فيما يرى الزويري أن مشاركة القطاع الخاص يجب ألا تقتصر على استقبال الخريجين، بل أن تبدأ منذ تحديد المهارات والتخصصات المطلوبة، وصولا إلى التدريب والتطبيق العملي.
ويؤكد في حديث إلى «الرأي» أن الطالب في هذا المسار لا يتعلم فقط «ماذا يعرف»، وإنما «ماذا يستطيع أن يفعل بما يعرف»، وهي نقلة جوهرية في مفهوم التعليم، خصوصا مع تغير طبيعة سوق العمل وارتفاع الطلب على المهارات العملية والتقنية.
ويرى النوايسة أن التعلم القائم على المشاريع والتقييم المستمر يتيح للطالب فرصة أكبر لإظهار قدراته، كما ينمي لديه مهارات حل المشكلات والعمل الجماعي والتواصل والبحث والتعلم الذاتي وإدارة الوقت وتحمل المسؤولية، وهي مهارات أصبحت جزءا أساسيا من معايير التوظيف الحديثة.
ويشير إلى أن القيمة الحقيقية لأي مسار مهني لا تقاس بعدد الطلبة الذين يلتحقون به، وإنما بمدى امتلاك خريجيه مهارات حقيقية وقدرتهم على الانتقال إلى سوق العمل أو مواصلة تعليمهم العالي. ولذلك فإن نجاح التجربة يرتبط بقدرتها على إنتاج خريج يمتلك شهادة ومهارة في الوقت ذاته.
ويضيف أن إتاحة المجال أمام خريجي التعليم المهني لمواصلة دراستهم الجامعية تمثل نقطة مهمة في تغيير الصورة التقليدية عن التعليم المهني، إذ لم يعد اختيار المسار المهني يعني إغلاق الطريق أمام التعليم العالي، بل يمكن أن يكون بداية لمسار أكاديمي أكثر ارتباطا بالتخصص الذي اختاره الطالب واكتسب فيه خبرة عملية.
في المقابل، يرى الخبير التربوي سفيان الزويري أن تنامي الاهتمام بالتعليم المهني يعكس تغيرا في نظرة الطلبة والأسر إلى مستقبل التعليم، بعدما بدأت تتراجع تدريجيا القناعة بأن المسار الأكاديمي هو الطريق الوحيد للنجاح.
ويؤكد الزويري إلى «الرأي» أن السوق الأردني لا يحتاج إلى أصحاب التخصصات الأكاديمية وحدهم، بل يحتاج بصورة متزايدة إلى فنيين وتقنيين يمتلكون المعرفة والمهارة والقدرة على التعامل مع التكنولوجيا الحديثة. ومن هنا، فإن إعادة الاعتبار إلى التعليم المهني ليست قضية تعليمية فحسب، وإنما ترتبط مباشرة باحتياجات الاقتصاد وفرص التشغيل.
وبرأيه، فإن إحدى أهم مزايا هذا النوع من التعليم تتمثل في منح الطالب فرصة لاكتشاف ميوله وقدراته في وقت مبكر، واتخاذ قرار مهني مبني على التجربة والممارسة، بدلا من أن يكون اختياره المستقبلي خاضعا للمعدل أو للصورة الاجتماعية النمطية لبعض التخصصات.
ويعتبر أن توسع الجامعات في توفير تخصصات وبرامج تتواءم مع ما يدرسه الطلبة في المسارات المهنية يمثل حلقة ضرورية لاستكمال التجربة، لأن الإصلاح الحقيقي لا يمكن أن يتوقف عند المدرسة. فالمطلوب بناء سلسلة متكاملة تبدأ بالتوجيه المهني، وتمتد إلى التعليم الثانوي، ثم التعليم العالي، وتنتهي بسوق العمل.
ويشدد الزويري على أن مستقبل خريجي هذا المسار يبدو واعدا في ظل النقص الذي تعاني منه بعض القطاعات في الكوادر الفنية المؤهلة، إلى جانب التحولات التي فرضتها التكنولوجيا والرقمنة والمهن الجديدة. فكلما توسعت القطاعات الاقتصادية الحديثة، ازدادت الحاجة إلى أشخاص يمتلكون مهارات تقنية متخصصة وقادرين على ممارسة المهنة بكفاءة.