محليات

نصف مليون مصاب محتمل بالأمراض النادرة في الأردن

تشخيص المرض النادر يستغرق من 5 إلى 7 سنوات

أبو عليم: 75% من الأمراض النادرة تصيب الأطفال
مساد: كلفة الأمراض النادرة تصل إلى 17 ضعف الأمراض الشائعة

قد لا تكون الأمراض النادرة «نادرة» حين تجمع أعداد المصابين بها، ففي الأردن، ورغم غياب إحصاءات وطنية دقيقة، تشير تقديرات مبنية على معدلات الانتشار العالمية إلى احتمال وجود نحو نصف مليون شخص مصاب بمرض نادر، فيما تبقى بيانات المرضى موزعة بين المستشفيات والمراكز البحثية والقطاعات الصحية المختلفة.
وفي مقابلة مع «الرأي»، اتفقت رئيسة جمعية التوعية بالأمراض النادرة عايدة أبو عليم، وعضو هيئة التدريس في معهد الصحة العامة الدكتورة إيمان مساد، على أن التحدي الأبرز في ملف الأمراض النادرة لا يقتصر على ندرة المرض نفسه، بل يمتد إلى غياب البيانات الوطنية الدقيقة، وصعوبة رحلة التشخيص والوصول إلى العلاج.
وأوضحت أبو عليم أن المرض النادر يعرف بأنه حالة أو اضطراب يصيب أقل من شخص لكل ألفي نسمة، مشيرة إلى أن نحو 75% من الأمراض النادرة تصيب الأطفال، وأن معظمها ذو أساس جيني أو وراثي، وقد يؤدي بعضها إلى الوفاة قبل سن الخامسة.
وأكدت أن الأردن يفتقر إلى سجل وطني موحد للأمراض النادرة، رغم وجود بيانات متفرقة لدى المستشفيات الجامعية ومراكز الأبحاث والخدمات الطبية والقطاع الخاص، لافتة إلى مساع للتعاون مع وزارة الصحة لإنشاء سجل وطني يجمع هذه البيانات.
من جهتها، بينت مساد أن التقديرات العالمية تضع انتشار الأمراض النادرة بين 3.5% و6% من السكان، وعند إسقاط هذه النسبة على الأردن، الذي يقترب عدد سكانه من 12 مليون نسمة، يمكن أن يقترب العدد التقديري من 500 ألف مصاب.
وأضافت أن المشكلة لا تقتصر على معرفة العدد، بل تشمل التوزيع الجغرافي وأنواع الأمراض، وهي معلومات ضرورية للتخطيط للموازنات وشراء الأدوية والتفاوض مع الشركات، خصوصا مع تركز جانب من العلاج التخصصي في العاصمة.
ووفق مساد، قد تستغرق رحلة تشخيص المرض النادر بين 5 و7 سنوات، فيما لا يزال نحو 50% من المرضى غير مشخصين بدقة، مما يعني سنوات من الفحوص والعلاجات التي قد تعالج الأعراض دون المرض نفسه.
ولفتت إلى أن تأخر التشخيص قد يحول حالة قابلة للسيطرة إلى إعاقة دائمة، ولا يتحمل القطاع الصحي وحده الكلفة، فقد تضطر أم إلى ترك عملها لرعاية طفلها، أو يحتاج المريض إلى دعم إضافي في المدرسة، لتنتقل الكلفة إلى الأسرة والتعليم وسوق العمل.
ونوهت أبو عليم إلى أن تشابه أعراض الأمراض النادرة مع أمراض أكثر شيوعا يطيل رحلة التشخيص، فيما ترتفع كلفة الفحوص الجينية والعلاجات، وبعضها غير متوافر في الأردن.
ولا تقتصر معاناة المرضى على التشخيص والعلاج، بحسب أبو عليم، إذ يواجه بعضهم التنمر والوصمة والعزلة في المدرسة والجامعة والعمل وحتى داخل الأسرة، داعية إلى رفع الوعي لدى الأسر والمؤسسات التعليمية وأماكن العمل، والتعامل مع المريض باعتباره إنسانا له احتياجات وتسهيلات محددة، لا أن يصبح مرضه هويته.
وأشارت إلى أهمية الالتفات إلى زواج الأقارب في ظل الطبيعة الجينية والوراثية لعدد كبير من الأمراض النادرة، معتبرة أن معرفة التوزيع الجغرافي للأمراض يمكن أن تساعد في توجيه الفحوص والتوعية والتدخل المبكر.
وأكدت أن الجمعية تسعى إلى إدراج مرضى الأمراض النادرة ضمن مظلة المجلس الأعلى لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، للاستفادة من التسهيلات والحقوق التي يحتاجها المرضى الذين تقود أمراضهم إلى إعاقات.
ونبهت مساد إلى أن كلفة الأمراض النادرة قد تصل إلى نحو 17 ضعف كلفة الأمراض الشائعة، فيما أظهرت مراجعة للمشتريات الحكومية أن نحو 80% من أدوية الأمراض النادرة لا تواجه منافسة فعلية، مما يحد من قوة التفاوض على الأسعار.
وضربت أبو عليم مثالا بضمور العضلات الشوكي «SMA»، إذ قد تبلغ كلفة أحد العلاجات الجينية نحو 2.5 مليون دولار للجرعة الواحدة، بينما تمكنت وزارة الصحة من توفير علاج شهري بديل، انخفض سعره بالتفاوض من نحو 8 آلاف إلى 4 آلاف دينار شهريا.
وأكدت مساد ضرورة اعتماد آليات أكثر مرونة لتمويل هذه العلاجات، من بينها التفاوض على الأسعار، وتجميع القوة الشرائية والشراء المشترك مع دول أخرى، واتفاقيات تقاسم المخاطر مع الشركات، بدلا من بقاء بعض القرارات العلاجية رهنا للحالات الفردية أو الضغط المجتمعي.
واتفقت أبو عليم ومساد على أن البداية المطلوبة هي سجل وطني للأمراض النادرة، يتطور إلى استراتيجية متكاملة تشمل التشخيص المبكر، ومسارات الإحالة، والعلاج والدواء، والدعم النفسي والاجتماعي، والدراسات السريرية والبحث العلمي.
ودعتا إلى إنشاء صندوق مستقل لتمويل الأمراض النادرة، بمساهمة القطاعين العام والخاص والمجتمع المدني والمنظمات الدولية.
ورأت مساد أن الملف يمكن أن يشكل أيضا فرصة للأردن لبناء قدرات وطنية في التشخيص الجيني والجينوم والبحث العلمي والدراسات السريرية، فيما اعتبرت أبو عليم أن تطوير مركز وطني متخصص يمكن أن يدعم كذلك السياحة العلاجية واستقطاب مرضى من المنطقة.
وشددت مساد على أن الأردن «لا يبدأ من الصفر»، لكنه يحتاج إلى الانتقال من البيانات المتفرقة إلى سجل وسياسة واستراتيجية، تجعل مريض المرض النادر جزءا واضحا من الأولويات الصحية الوطنية.