محليات

التدخين المألوف.. حين يفقد المجتمع حساسيته للخطر

دعوات لتحديث الصور التحذيرية على منتجات التبغ

44.8% بدأوا التدخين بين 18 و24 عاماً
حماية الأطفال من الإدمان تبدأ بمنع «تطبيع التدخين»

يعيش الأردن اليوم مفصلاً حساساً في مواجهة واحدة من أخطر الظواهر الصحية والاجتماعية المتفاقمة، وهي انتشار التدخين بكافة أشكاله بين فئات عمرية متزايدة الشباب، في وقت تكشف فيه بيانات وزارة الصحة عن أرقام مقلقة تضع المملكة في مرتبة متقدمة عالمياً من حيث الوفيات المرتبطة بالتبغ.
وبين تصاعد الجهود الرسمية والمجتمعية لتفعيل القوانين الناظمة لعرض وتغليف منتجات التبغ والنيكوتين، ومنع التدخين في الأماكن العامة، يبرز مصطلح «التطبيع مع التدخين» بوصفه المفهوم الأدق لتفسير ما يجري؛ فحين يتحوّل مشهد التدخين إلى جزء من المألوف اليومي في الشوارع والمقاهي والمرافق العامة، يفقد الأطفال والمراهقون حساسيتهم تجاه خطورته، ويصبح سلوكاً مقبولاً اجتماعياً بدل أن يُنظر إليه كتهديد صحي حقيقي يستوجب المواجهة.
وتكشف بيانات وزارة الصحة الأردنية للعام 2025 أن نسبة الوفيات المرتبطة بتعاطي التبغ في المملكة بلغت نحو 12.5٪ من إجمالي الوفيات، أي ما يعادل وفاة واحدة من كل ثماني وفيات، في حين لا تتجاوز هذه النسبة عالمياً 10٪، أو وفاة واحدة من كل عشر وفيات. وتضع هذه الأرقام الأردن في موقع أعلى من المعدل العالمي في خطورة الأثر الصحي للتبغ، وهو ما يفتح الباب واسعاً أمام تساؤلات حول جدية تطبيق القوانين الناظمة لمكافحة التدخين وحماية الفئات الأكثر عرضة له.
في هذا السياق، تشرح الدكتورة لاريسا الور، العضو المؤسس وأمين سر جمعية «لا للتدخين»، أن جوهر الجهود الحالية الذي تنفذها الجمعية ينصب على تقليل جاذبية منتجات التبغ بكافة أشكالها وأنواعها والأجهزة المستخدمة في التدخين، عبر تفعيل قانون التغليف الموحد وتوسيع الصور التحذيرية المدوّنة على منتجات التبغ والنيكوتين من 40 إلى 65 ٪، لافتة إلى أن الصور المستخدمة حالياً تجاوز عمرها خمسة عشر عاماً وفقدت فاعليتها، بما يحتّم تحديثها بشكل دوري.
وتضيف الور أن التغليف الموحد الذي يخلو من أي طابع جذاب ويقتصر على اسم المنتج بخط موحد يُعد أداة أساسية لكسر جاذبية هذه المنتجات، خصوصاً أن بعض عبوات المعسل الحالية تحمل رسوماً وألواناً تشبه إلى حد كبير منتجات موجهة للأطفال، وهو ما يرفع من احتمالية إقبال صغار السن عليها.
وتؤكد أن النكهات المستخدمة، التي تحاكي في كثير منها طعم الحلويات والفواكه، تستدعي حظراً كاملاً لكونها عاملاً مباشراً في جذب اليافعين نحو التجربة الأولى.
وتنسجم هذه المخاوف مع بيانات أخرى صادرة عن وزارة الصحة توضح أن الفئة العمرية بين 18 و24 عاماً تمثل النسبة الأكبر بين من بدأوا التدخين، بواقع 44.8٪ من إجمالي المستجيبين، تليها الفئة العمرية بين 15 و17 عاماً بنسبة 27.2٪، أي أن أكثر من 70٪ من المدخنين بدأوا هذه العادة قبل بلوغهم الخامسة والعشرين، في مرحلة عمرية ترتبط مباشرة بسنوات الدراسة المدرسية والجامعية.
وتربط الدكتورة الور هذه الأرقام مباشرة بأهمية توسيع حظر التدخين في الأماكن العامة، بما فيها المرافق السياحية والدينية، مشيرة إلى أن وجود التدخين في كل مكان يرسّخ في وعي الأطفال انطباعاً بأنه سلوك طبيعي ومقبول اجتماعياً، في حين أن غيابه التدريجي عن المشهد اليومي يقطع هذا التطبيع ويعيد تشكيل النظرة العامة تجاهه. وتستدرك بأن الحجة المتكررة القائلة إن حظر التدخين يضر بالسياحة لا تصمد أمام الدراسات، فقد بيّنت سبع وتسعون دراسة أُجريت في ثماني دول عدم وجود أي تأثير سلبي على المبيعات أو الأرباح أو التوظيف، بل رصدت بعض هذه الدراسات أثراً إيجابياً تمثّل في ارتفاع دخل المنشآت نتيجة تراجع التعطل الناجم عن المرض وانخفاض كلف الصيانة. وتخلص الور إلى أن حماية العاملين في القطاع السياحي، الذين تشير دراسات منظمة الصحة العالمية إلى تعرضهم لمعدلات تدخين سلبي تصل إلى أربعة وحتى ستة أضعاف مستويات التدخين في المكاتب العادية، تبقى بذلك جزءاً لا يتجزأ من معركة أوسع، هدفها الأول والأخير حماية الأطفال من الوقوع في فخ الإدمان.