أكد الخبير في الأمن الغذائي، الأمين العام للتحالف الوطني لمكافحة الجوع الدكتور فاضل الزعبي، أن تغير المناخ في الأردن لم يعد ظاهرة بيئية بعيدة تناقش في قاعات المؤتمرات الدولية، بل قضية تصل إلى مائدة الأسرة الأردنية، وإلى دخل المزارع في الرمثا والمفرق والأغوار، وإلى منسوب السدود الذي يتابعه الأردنيون كل شتاء بقلق مشروع.
وأضاف أن المناخ اليوم عامل مباشر في تحديد ما ينتج من غذاء، وكم يكلف، ومن يستطيع شراءه، وقد حسم منذ سنوات السؤال عما إذا كانت الزراعة الأردنية ستتأثر بتغير المناخ، ليصبح السؤال الحقيقي كيف يعاد تصميم النظام الزراعي والغذائي كي يستمر في الإنتاج ويتكيف مع واقع مناخي ومائي جديد لن يعود إلى ما كان عليه.
ويرى الزعبي أن الأردن يواجه تحدياً مزدوجاً قل نظيره: شح مائي مزمن وبنيوي من جهة، وتغيرات مناخية متسارعة من جهة أخرى. ووثيقة المساهمات المحددة وطنياً في نسختها الثالثة التي قدمها الأردن إلى اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ تضع أمامنا سيناريوهات ارتفاع في درجات الحرارة يتراوح بين 1.2 و2.2 درجة مئوية بحلول عام 2050، مع توقع أن تصبح حصة الفرد من المياه دون 100 متر مكعب سنوياً، وأن تزداد وتيرة الجفاف والفيضانات وموجات الحر. وتقدر الاستراتيجية الوطنية للمياه 2023-2040 حصة الفرد اليوم بنحو 61 متراً مكعباً، مقابل خط الشح الدولي البالغ 500 متر مكعب، وهو ما يعني أن الأردن لا يقترب من الأزمة بل يعيش داخلها، والمناخ يعمقها عاماً بعد عام.
ويوضح الزعبي أن أثر هذا التحول على الزراعة عملي وملموس؛ فارتفاع درجات الحرارة يزيد احتياج النبات للمياه ويرفع معدلات التبخر والنتح، أي أن المحصول نفسه يطلب كمية أكبر من الماء لينتج الكمية ذاتها. كما أن الحرارة المرتفعة في مواسم الإزهار والعقد تخفض إنتاجية بعض المحاصيل حتى مع توافر المياه، وتوسع النطاق الجغرافي والزمني لانتشار الآفات والأمراض. والزراعة البعلية، عصب الحبوب في البادية والمرتفعات، هي الأكثر انكشافاً لاعتمادها على السماء وحدها، فيما تتراجع إنتاجية المراعي الطبيعية لترتفع كلفة الأعلاف وتضغط على مربي الثروة الحيوانية، وتواجه الأشجار المثمرة اضطراباً في متطلبات البرودة الشتوية وفي موعد النضج ونوعية الثمار.
ويشير الزعبي إلى أن المشكلة الأعمق ليست في كمية الأمطار وحدها، بل في توقيتها وتوزيعها، إذ صار من المألوف أن تهطل كميات كبيرة خلال أيام قليلة ثم تمتد فترات جفاف طويلة في قلب الموسم، وهو ما يخلق مفارقة قاسية: مياه كثيرة تنزل وفائدة زراعية محدودة تتحقق. وتظهر بيانات وزارة المياه والري أن حجم الهطول المطري في عام 2017 بلغ نحو 8.2 مليار متر مكعب، تبخر منها نحو 7.6 مليار متر مكعب، أي ما يقارب 93 بالمئة، فيما تتحول الأمطار الغزيرة المتركزة إلى سيول تجرف التربة السطحية، وهي أثمن ما يملكه الأردن بعد الماء، وتتلف المحاصيل والطرق الزراعية والقنوات، في بلد يحتاج إلى كل قطرة وإلى كل سنتيمتر من تربته.
ويلفت الزعبي إلى قضية لا تحظى باهتمام كافٍ في النقاش العام، وهي أن الروزنامة الزراعية لم تعد ثابتة؛ فالمزارع الأردني ورث تقويماً زراعياً بني على خبرة أجيال، وهذا التقويم يتآكل أمام الأعين، إذ صارت مواعيد الحراثة والزراعة والإزهار والري والحصاد تتحرك من سنة إلى أخرى، وأصبح قرار المزارع القائم على العادة ينطوي على مخاطرة متزايدة.
ويرى أن الحاجة تدعو إلى روزنامة زراعية ديناميكية وذكية تبنى على البيانات المناخية المحدثة والتنبؤات الموسمية وأنظمة الإنذار المبكر، وتصل إلى المزارع بلغة بسيطة وفي الوقت المناسب عبر الهاتف والمنصات الرقمية، ذلك أن المعلومة المناخية التي تصل متأخرة أو تبقى حبيسة التقارير لا قيمة إنتاجية لها.
ويضيف الزعبي أن للمناخ وجهاً آخر يمس الأمن الغذائي من بوابة الاستيراد لا الإنتاج، فالأمن الغذائي الأردني لا يتحدد بما يزرع داخل الحدود فحسب، بل بالقدرة على الوصول إلى الغذاء في الأسواق العالمية بأسعار محتملة. وحين تضرب موجات الجفاف أو الفيضانات مناطق الإنتاج الكبرى في العالم، تنتقل الصدمة إلى الأردن سريعاً على شكل ارتفاع في الأسعار واضطراب في الإمدادات وزيادة في كلفة الاستيراد. وتضع تقديرات منظمة الأغذية والزراعة في تموز 2026 احتياجات الأردن من واردات الحبوب لموسم 2026/2027 عند نحو 3 ملايين طن، في المقابل تمثل سياسة الاحتياطي الاستراتيجي التي التزمت بها الحكومة خط الدفاع الأول، إذ أعلنت وزارة الصناعة والتجارة والتموين في آب 2026 أن مخزون القمح يغطي نحو 9.6 أشهر ومخزون الشعير نحو 9.5 أشهر من الاستهلاك المحلي. ويصف الزعبي هذه الإدارة بأنها رصينة وتستحق التقدير، لكنها تحمي من الصدمة ولا تعالج مصدرها، فإدارة المخاطر تشتري الوقت، بينما تعظيم الإنتاجية المحلية هو ما يستثمره.
ومن هنا تكمن الرسالة الجوهرية بحسب الزعبي: لم يعد بإمكان الأردن أن يواجه تغير المناخ بالنموذج الزراعي التقليدي القائم على التوسع في المساحات وفي كميات المياه المستخدمة، خصوصاً أن الزراعة تستهلك اليوم نحو 48.6 بالمئة من الموارد المائية، وأن المياه الجوفية تضخ بنحو ضعف المعدل الآمن للمخزون، فيما تتوقع الاستراتيجية الوطنية للمياه تراجعاً إضافياً بنسبة 15 بالمئة في الموارد المائية العذبة بحلول 2040 بفعل تغير المناخ. ويرى أن السؤال المشروع لم يعد كيف تزاد المساحات المزروعة، بل كيف يتحقق أعلى إنتاج وأعلى قيمة اقتصادية وغذائية من كل متر مكعب من المياه، وهو انتقال في الفلسفة قبل أن يكون انتقالاً في التقنية، يستلزم إعادة نظر جادة في التركيب المحصولي بحيث لا يبنى القرار الزراعي على كمية الإنتاج وحدها، بل على أربعة معايير مجتمعة هي القيمة الاقتصادية، والقيمة الغذائية، وبصمة المياه، والقدرة على تحمل الحرارة والجفاف.
وتمر ترجمة هذا التحول إلى واقع بحسب الزعبي عبر مسارات متكاملة لا يغني أحدها عن الآخر، أبرزها تطوير أصناف مقاومة للجفاف والحرارة والملوحة بالشراكة مع المركز الوطني للبحوث الزراعية والمراكز الدولية، والانتقال من الري الحديث إلى الري الدقيق المرتبط بحساسات رطوبة التربة والاستشعار عن بعد، والتوسع الآمن والمدروس في استخدام المياه المعالجة بوصفها مورداً ثابتاً لا يتأثر بشح الموسم، إذ ينتج الأردن نحو 186 مليون متر مكعب سنوياً يعاد استخدام أكثر من 90 بالمئة منها في الري، إضافة إلى حصاد مياه الأمطار والسيول بمنشآت صغيرة موزعة على مستوى الحوض والمزرعة لا بالسدود الكبرى وحدها، وحماية التربة بالمصاطب والزراعة الحافظة. ويشدد الزعبي على أن ذلك كله يحتاج إلى بحث علمي موجه نحو حاجة الحقل، وإرشاد زراعي يستعيد دوره جسراً بين المعرفة والمزارع، وتأمين زراعي يحمي صغار المنتجين من صدمة موسم واحد تخرجهم من السوق نهائياً، مؤكداً أن كل ذلك لا يدار بمعزل عن الطاقة، لأن الماء في الأردن يعني ضخاً وتحلية ومعالجة. ويذكّر في هذا السياق بأن تقرير المناخ والتنمية القُطري للأردن الصادر عن البنك الدولي يشدد على أن التعامل مع ترابط المياه والطاقة والغذاء والبيئة بوصفه منظومة واحدة شرط لبناء قدرة حقيقية على التكيف في بلد شحيح الموارد ومعتمد على الاستيراد.
ويرى الزعبي أن من الإنصاف القول إن الأردن لا يبدأ من الصفر، فهناك رصيد وطني حقيقي يتمثل في مساهمات محددة وطنياً تضع الأمن المائي والمرونة الزراعية في صلب أولويات التكيف، واستراتيجية وطنية للمياه 2023-2040، ومشروع الناقل الوطني للمياه بوصفه استثماراً في مورد غير مناخي، ومؤسسات بحثية وكوادر فنية بنيت عبر عقود. لكنه يشير إلى أن التحدي اليوم لم يعد في إعداد الاستراتيجيات، فالأردن يجيد ذلك، بل في سرعة تحويلها إلى مشاريع ممولة وحزم استثمارية تصل فعلياً إلى الحقل والمزارع، معتبراً أن الفجوة بين الوثيقة والأرض هي الفجوة التي يجب تضييقها، لأن المناخ لا ينتظر دورات التخطيط.
ويختم الزعبي بالقول إن تغير المناخ يفرض على الأردن واقعاً جديداً، لكن هذا الواقع نفسه يمكن أن يكون فرصة لتحديث الزراعة الأردنية؛ فمستقبل الزراعة لن يرتبط بمن يملك كمية أكبر من المياه، بل بمن يستطيع استخدام المياه المتاحة بصورة أكثر ذكاءً وكفاءة. وكل قطرة ماء يجب أن تصبح جزءاً من معادلة اقتصادية وغذائية محسوبة، وكل قرار زراعي يجب أن يأخذ في الاعتبار المناخ الجديد الذي يعيش فيه الأردن لا المناخ الذي تعلمت الزراعة في ظله. والاستثمار في زراعة أكثر كفاءة وأقدر على التكيف مع المناخ ليس استثماراً في القطاع الزراعي وحده، بل هو استثمار مباشر في الأمن الغذائي الأردني، وفي الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، وفي مستقبل الأجيال القادمة.
الزعبي : المناخ عامل مباشر في تحديد إنتاج الغذاء
04:20 13-9-2026
آخر تعديل :
الأحد