حين تتسع الفجوة بين من يملكون الفرص ومن يعيشون على هامشها، تكون الأزمة تخطت حدود دفاتر الاقتصاد وبدأت تدق جرس الإنذار في قلوب المواطنين.
قد يكون الوضع الاقتصادي في الأردن ذا طابع استثنائي؛ بسبب تحديات هيكلية نتجت عن أزمات سياسية إقليمية متلاحقة، تتقاطع فيها صدمات الحروب، مع أزمات شح المياه وأمن الطاقة وتراجع فرص العمل.
وبالتالي فإن التعامل مع الملف الاقتصادي خرج من إطار الإصلاح والمعالجة، وبات يحتاج رؤية أوسع نطاقا، تتضمنّ عقد الشراكات الاستراتيجية الإقليمية والدولية.
إن موقع الأردن الجغرافي والسياسي يفرض عليه حقيقة ساطعة: إنه لا يستطيع عزل اقتصاده عن محيطه الإقليمي والدولي.
والطريق بين الجغرافيا والنفوذ الاقتصادي، لها تأثير قوي على تحويل هذا الموقع إلى منظومة اقتصادية متكاملة، قادرة على تسهيل الأعمال وتعزيز جاذبية الاقتصاد.
مسيرة الإصلاح الاقتصادي بالأردن يجب ان ترتكز على مسارات متكاملة وحيوية، تبدأ بتطوير البنية التحتية وتعزيز بيئة الأعمال، وتمتد إلى تحديث التشريعات، وتعزيز كفاءة شبكات النقل والطاقة والاتصالات، بما يزيد من قدرة الأردن على توظيف موقعه الجغرافي وتحويله من مجرد موقع إلى قيمة اقتصادية واستراتيجية مستدامة.
قد يكون التكامل الاقتصادي الإقليمي؛ أحد أهم المسارات الاستثمارية شريطة أن لا يقف عند حدود تبادل السلع، بل يمتد إلى التصنيع المشترك وسلاسل القيمة والتزويد المتكاملة مع الدول الشقيقة، في العراق ومصر ودول الخليج، ليكون الأردن جزءًا فاعلًا من دورة الإنتاج والنقل والخدمات لا مجرد سوق استهلاكية عابرة.
إن جلب الشركات الإقليمية يولد فرص عمل كريمة ومستدامة لأبناء الوطن مما سيعزز قدرة الاقتصاد الوطني على الاعتماد على ذاته.
ويأتي بعد ذلك تفعيل الاتفاقيات الدولية، ولا سيما مع الاتحاد الأوروبي والشركاء الآسيويين، وفي مقدمتهم الصين والهند، على نحو يتجاوز حدود التعاون التقليدي إلى استثمارات نوعية تنقل المعرفة والخبرة، وتفتح المجال أمام المهارات الأردنية لاكتساب مزيد من الخبرات والقدرات المتقدمة في التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي. وفي المقابل، ينبغي أن ترتبط الاستثمارات الأجنبية بمسؤولية اقتصادية واضحة تجاه المجتمع المحلي، من خلال وضع أطر ومعايير تحفّز المستثمرين على توظيف الأردنيين، وتدريبهم، وتأهيلهم لشغل الوظائف النوعية، بحيث لا يكون الاستثمار مجرد تدفق لرأس المال، بل مشروع للبناء وخلق فرص العمل وتعزيز القدرة على الإنتاج والمنافسة.
فالنمو مهما زاد يفقد معناه الحقيقي إن لم ينعكس بشكل مباشر على حياة المواطن البسيط في جميع المحافظات والقرى.
وهكذا، يصبح الرهان الحقيقي أمام الأردن هو بناء اقتصاد يستثمر في الإنسان، ويحوّل الموقع الجغرافي إلى ميزة اقتصادية، وشراكاته إلى فرص مستدامة. وهي معادلة تجسد بوضوح الرؤية الملكية التي يحملها الملك المفدى، عبد الله الثاني وسمو ولي العهد الأمير الحسين لمستقبل أردني أكثر ابتكارًا وقدرة على المنافسة.
فالمعادلة التي يفرضها الواقع اليوم واضحة، ولا تقبل التردد أو التباطؤ: اقتصاد أردني منتج وقوي، أكثر مرونة في امتصاص الصدمات، وأقدر على حماية الاستقرار الاجتماعي وتعزيز العدالة في توزيع مكتسبات التنمية؛ وشراكات ذكية ومدروسة ومستدامة، وتكامل إقليمي واعٍ، ودبلوماسية اقتصادية جريئة وفاعلة.