أدى نحو ستين ألف مصلٍّ صلاة الجمعة في المسجد الأقصى المبارك، رغم محاصرة مدينة القدس وعزلها عن عمقها في الضفة الغربية، والقيود المشددة التي فرضتها قوات الاحتلال الإسرائيلي على المعابر والحواجز العسكرية لمنع وصول المصلين إلى المسجد، إلى جانب الانتشار المكثف لقوات الاحتلال في محيط البلدة القديمة والمسجد الأقصى، والتدقيق والتفتيش الشخصي على أبوابه.
وقالت شرطة الاحتلال إنها اعتقلت ستة مصلين بحجة دخول القدس دون الحصول على تصاريح من الحكم العسكري.
كما اشتبكت مع أحد المصلين في منطقة الواد المفضي إلى المسجد الأقصى قرب باب المجلس، ونكّلت به مجموعة من القوات الخاصة، ثم قيّدته ونقلته إلى مركز الاعتقال «المسكوبية» في القدس الغربية.
وكثّفت قوات الاحتلال من أعداد قواتها وعناصرها عشية ما يسمى بـ'عيد رأس السنة العبرية» في البلدة القديمة وفي شوارع القدس الشرقية المحتلة، وأعادت انتشار قواتها فجر الجمعة، ونصبت الحواجز العسكرية، وأخضعت القادمين للتفتيش والتدقيق في هوياتهم، ما أدى إلى منع عدد منهم من الوصول إلى الأقصى وأداء الصلاة فيه.
وتزامن ذلك مع تصاعد الدعوات الفلسطينية والمقدسية إلى تكثيف الرباط والحشد في المسجد الأقصى، تزامناً مع اقتراب موسم الأعياد اليهودية خلال شهر أيلول/سبتمبر الجاري، وسط مخاوف من تصعيد الاقتحامات الاستيطانية للمسجد الأقصى المبارك وفرض مزيد من القيود على المصلين.
وحذّرت مؤسسات مقدسية من استغلال سلطات الاحتلال والجماعات الاستيطانية المتطرفة للأعياد اليهودية، لتكثيف الاقتحامات وتنظيم فعاليات تهويدية في القدس والمسجد الأقصى، في محاولة لفرض وقائع جديدة داخل المسجد وتغيير الوضع القائم فيه.
وفي أجواء إيمانية، ارتقى منبر المسجد الأقصى المبارك فضيلة الدكتور الشيخ محمد سليم خطيباً، في خطبة جامعة تناولت موضوعاً بالغ الأهمية، هو «عقوق الأمة المسلمة لكتاب ربها، وسنة نبيها، وصحابتها، وتاريخها ورسالتها»، وربط بين عقوق الوالدين في نطاق الأسرة المسلمة، وبين العقوق المعنوي الأخطر والأشمل الذي أصاب الأمة الإسلامية بأسرها.
وقال الشيخ محمد سليم «إذا كان عقوق الأبوين عقوقاً خاصاً بهما، وفي نطاق الأسرة المسلمة، فإن هذا العقوق الحقيقي قد يخرج من الأسرة إلى خارجها، ليعمّ الأمة المسلمة بعقوق معنوي أخطر وأشمل».
وحذّر من أن عقوق الوالدين ليس مجرد ذنب فردي محدود، بل هو بذرة خبيثة إن نبتت في الأسرة، امتدت جذورها لتفسد علاقة الأمة كلها بربها وكتابها ونبيها وتاريخها.
ونوّه الخطيب بأمثلة واقعية على عقوق الأمة المسلمة، فقال: «أيها المسلمون، إن الأمة المسلمة في هذا الزمان عاقة لكتاب ربها، فلا تحتكم إليه، ولا تنافح عنه».
وأضاف موضحاً: «والأمة عاقة لسنة رسولها صلى الله عليه وسلم ولهديه، فترفع صوتها فوق صوته بالأقوال والأفعال».
وحذّر من مظهر ثالث خطير من مظاهر العقوق، فقال: «وأمة المسلمين عاقة لصحابة رسولها، فلا تقتفي آثارهم، ولا تهتدي بهديهم، ولا تسير على نهجهم».
ثم أشار إلى عقوق آخر لا يقل خطورة، فقال: «ومن عقوق الأمة المسلمة أنها عاقة لتاريخها المجيد وعاقة لأصالتها، تُقلّد الغرب بكفره وقيمه، ويسيل لعابها على فتات ضلالاته».
وتعاظم التحذير في خطبة الشيخ سليم حين قال: «يا مسلمون، يا مسلمات، ويتعاظم عقوق أمتنا حين يكون عقوقاً لرسالتها، التي انتدبها الله سبحانه لها، واختارها من دون الأمم، لتخرج الناس بها من الظلمات إلى النور».
ونوّه الخطيب بأن هذا العقوق لم يقتصر على فئة دون أخرى، فقال: «أيها المؤمنون، إن عقوق الأمة المسلمة الذي ذكرنا أمثلة عليه، يشمل عامتها وخاصتها، وعلماءها والدهماء منها. وإن كان هذا العقوق بنسب شتى ومستويات مختلفة، إلا أنه عمّ وطمّ».
وأضاف الشيخ سليم: «والواجب على الأمة، بكل مكوناتها، أن تنهض من عقوقها الذي أقعدها عن خيريتها للناس، وأن تسارع إلى البر بربها وبكتابه وبرسوله، وأن تبرّ نفسها بطاعة ربها وتحكيم شرعه ودينه، وتستعيد دورها ومكانتها في قيادة الأمم».
وحذّر الخطيب من أن عقوبة العقوق ليست مؤجلة إلى الآخرة فقط، بل هي معجّلة في الدنيا.
ودعا إلى إدامة البر بالمسجد الأقصى المبارك، فقال: «وأديموا برّكم بالمسجد الأقصى، فشدوا رحالكم إليه للصلاة وذكر الله فيه».
وحذّر الخطيب من مظاهر العقوق المعاصرة، فقال: «يطيع بعضهم زوجته، ويأخذ أباه أو أمه إلى بيت العجزة، وهو قادر على رعايتهما. وينسى بعضهم أن أمه سهرت لأجله الليالي الطوال، وأن أباه أمضى شبابه كي ينفق عليه ويغذوه ويعيش حياة كريمة».
وتابع بألم: «ويتعاظم عقوق بعض الأبناء والبنات، حتى يضرب الابن أباه، وحتى تضرب البنت أمها. بل وبلغ من عقوق بعض الأبناء أنهم لا يتواصلون مع أبويهم بأي نوع من أنواع الصلة. فهل هذا من برّ الوالدين الذي أمر الله به؟ أم هو من العقوق الذي توّعد الله عليه؟'
وحذّر من عقوبة العقوق، فقال: «فاحذروا العقوق بكل مظاهره، فهو طريق الخزي في الدنيا وطريق الخسران في الآخرة. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (رضى الرب في رضى الْوَالِدَيْنِ، وَسُخْطُهُ فِي سَخْطِهما)».
واختتم الشيخ سليم خطبته بتحذير أخير: «قال كعب الأحبار: 'إن الله ليعجل هلاك العبد إذا كان عاقّاً لوالديه، ليعجل له العذاب'.