كشفت مصادر مطلعة في وزارة الخارجية البريطانية أن قرار لندن حظر استيراد منتجات المستوطنات الإسرائيلية وفرض قيود على الجهات المرتبطة بها جاء بعد محاولات متكررة لثني الحكومة الإسرائيلية عن سياساتها في الأراضي الفلسطينية المحتلة، إلا أن هذه المساعي لم تحقق نتائج، في ظل استمرار التوسع الاستيطاني وعنف المستوطنين وتصاعد العمليات العسكرية في قطاع غزة والضفة الغربية.
وأعلن وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند أمام مجلس العموم أن بلاده ستحظر استيراد جميع البضائع المنتجة في المستوطنات الإسرائيلية المقامة على الأراضي الفلسطينية المحتلة، إلى جانب فرض قيود على الخدمات المرتبطة بها، بما في ذلك التمويل والبناء والبنية التحتية والإعلان، على أن تدخل الإجراءات حيز التنفيذ خلال فترة تتراوح بين ستة وتسعة أشهر.
وقال ميليباند، وهو يهودي بريطاني، أمام البرلمان: «أشعر بخجل عميق إزاء ما يحدث في فلسطين تحت أعين المجتمع الدولي»، مؤكداً أن بلاده «لن ترضخ لتدمير حل الدولتين».
ولم تأتِ الخطوة البريطانية منفردة، إذ أعلنت فرنسا وكندا في اليوم ذاته اعتزامهما حظر واردات منتجات المستوطنات، فيما أعلنت دول أخرى، بينها الدنمارك وفنلندا وأيسلندا وإيرلندا والنرويج وبولندا والبرتغال والسويد وإسبانيا، دعمها لهذه الخطوة أو شروعها في إجراءات مماثلة.
وأكد بيان مشترك للدول المعنية أن «حل الدولتين يجب أن يُصان»، وأنها ستتخذ إجراءات للمساهمة في تحقيق «سلام عادل ودائم»، معربة عن معارضتها الشديدة للإجراءات التي ترقى إلى ضم الأراضي الفلسطينية والتهجير القسري للسكان الفلسطينيين.
وجاء القرار البريطاني، وفق تحليلات سياسية، نتيجة تضافر عوامل داخلية وإقليمية ودولية، في مقدمتها تصاعد الضغوط الشعبية والبرلمانية على الحكومة البريطانية، إذ وقع أكثر من 140 نائباً عريضة تطالب بحظر التجارة مع المستوطنات، فيما أظهر استطلاع أجرته مؤسسة «يوغوف» أن 50 بالمئة من الناخبين البريطانيين يؤيدون الحظر مقابل 16 بالمئة يعارضونه. ويرى المحلل السياسي باتريك كوكبورن، المراسل الخاص لصحيفة «آي بيبر» البريطانية، أن معاناة الفلسطينيين في الضفة الغربية تجعل فرض العقوبات «ضرورة أخلاقية»، مشيراً إلى أن أكثر من ألف فلسطيني قتلوا في الضفة الغربية خلال السنوات الثلاث الماضية، ربعهم من الأطفال.
وعلى الصعيد الإقليمي، أسهم طرح مناقصة البناء في منطقة «E1» الاستراتيجية شرق القدس في تسريع الموقف البريطاني، بعدما حذرت لندن إسرائيل مراراً من أن المضي في المشروع يتجاوز «الخطوط الحمراء»، نظراً لما قد يترتب عليه من فصل شمال الضفة الغربية عن جنوبها وتقويض إمكانية إقامة دولة فلسطينية متواصلة جغرافياً.
ويرى محللون أن تراجع الدور الأميركي في المنطقة أتاح للدول الأوروبية مساحة أوسع للتحرك، في وقت تنشغل فيه إدارة الرئيس دونالد ترامب بالأزمة المتصاعدة مع إيران وملفات إقليمية أخرى، فضلاً عن توجهها نحو تقليص انخراطها المباشر في الشرق الأوسط، الأمر الذي أضعف، وفق هذه التحليلات، فاعلية المظلة الأميركية التقليدية التي كانت توفر لإسرائيل حماية سياسية واسعة في المحافل الدولية.
وفي هذا السياق، أشارت المحللة السياسية في صحيفة «هآرتس» ليزا روزوفسكي، في مقال حمل عنوان «بريطانيا حطمت حاجز الخوف وثبتت سابقة دولية»، إلى أن لندن تمكنت، في ظل امتناع واشنطن عن التدخل، من حشد عدد من الدول لاتخاذ خطوة واسعة ضد المستوطنات، معتبرة أن الدول التي تقود فرض العقوبات ستحتاج إلى تشريعات تترجم هذه الإعلانات إلى إجراءات عملية.
وقالت روزوفسكي إن بريطانيا، وبعد أقل من شهرين على تولي آندي برنهام رئاسة الوزراء، «حطمت حاجز الخوف»، وأعلنت أن الاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية وقطاع غزة غير شرعي، وأنها ستحظر التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية وتفرض عقوبات على الجهات التي تعمل على توسيعها، مشيرة إلى أن القرار جاء نتيجة مسار سياسي استمر أشهراً.
وأضافت أن عوامل داخلية في بريطانيا تزامنت مع تصاعد عنف المستوطنين وطرح مناقصة البناء في منطقة «E1»، خلافاً للتعهدات التي قُطعت لبريطانيا وعدد من الدول الأوروبية بشأن المشروع، مرجحة أن يكون الانشغال الأميركي بالأزمة مع إيران ومضيق هرمز، إلى جانب تراجع قدرة واشنطن على أداء دورها التقليدي في دعم إسرائيل، من بين أسباب توقيت الخطوة البريطانية.
كما ربطت روزوفسكي الموقف البريطاني بما وصفته بـ«سأم» الإدارة الأميركية من حكومة نتنياهو، على خلفية تعثر خطة ترامب بشأن غزة واستمرار دعم الحكومة الإسرائيلية للمستوطنين في الضفة الغربية، فضلاً عن طبيعة التوجهات السياسية للإدارة الأميركية التي تتسم، بحسب وصفها، بالاندفاع والانفصال عن بعض الالتزامات التقليدية للسياسة الخارجية.
وبالنسبة إلى برنهام، تمثل الخطوة البريطانية دليلاً على قدرة بلاده على القيادة والتمسك بالمبادئ، وهو ما عبّر عنه في منشور عبر منصة «إكس» وفي تصريحات أمام البرلمان.
وقبل نحو أسبوع من الإعلان البريطاني، وخلال زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى لندن، اتفق الجانبان على انضمام فرنسا إلى مقاطعة منتجات المستوطنات، فيما لحقت كندا، العضو في مجموعة السبع، بالخطوة، لتصبح لندن، وفق روزوفسكي، في صدارة التحرك الغربي الأبرز حتى الآن ضد النشاط الاستيطاني في الضفة الغربية.
وفي المقابل، أثار القرار انقساماً داخل المشهد السياسي والمجتمع اليهودي في بريطانيا، إذ وصف الحاخام الأكبر في بريطانيا السير إفرايم ميرفيس يوم الإعلان بأنه «يوم مظلم حقاً لليهود البريطانيين». ورد ميليباند مؤكداً أنه «يهودي بريطاني فخور»، لكنه يختلف مع هذا الموقف، مشدداً على أن الوقوف إلى جانب قيم سيادة القانون والكرامة ومنع الظلم لا يتعارض مع هويته.
كما أعلن إدوارد لي، عميد مجلس العموم، دعمه الكامل للحكومة، قائلاً إنه فخور بتأييد ما يفعله رئيس الوزراء، معتبراً أن الأمر يتعلق بالدفاع عن الحرية والأخلاق والعدالة لجميع الناس.
وفي تصعيد دبلوماسي موازٍ، دعا وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى الاعتراف بسيادة الأرجنتين على جزر فوكلاند المتنازع عليها مع بريطانيا، في خطوة اعتبرها مراقبون رسالة انتقامية رداً على الموقف البريطاني.
ويرى محللون أن الإجراءات البريطانية، بصرف النظر عن التناقضات التاريخية في علاقة بريطانيا بالقضية الفلسطينية، من وعد بلفور إلى السياسات اللاحقة المتعلقة بالهجرة اليهودية، قد تشكل سابقة دولية مهمة في التعامل مع المستوطنات الإسرائيلية.
وقال بول وود، المراسل الأجنبي السابق لهيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي»، إن حكومة نتنياهو حصلت، من حيث النتيجة، على ما أسهمت سياساتها في تحقيقه، بعدما دفعت سياسات التوسع الاستيطاني حتى بعض أقرب حلفاء إسرائيل إلى تبني مواقف غير مسبوقة.
في المقابل، حذر السناتور توم توجندهات، المتحدث باسم حزب المحافظين المعارض للشؤون الخارجية، من أن تحويل إسرائيل إلى «دولة منبوذة» قد يؤدي إلى تعميق الانقسامات الطائفية في بريطانيا وزيادة العنف المعادي للسامية.
وتبدو الحكومة البريطانية، رغم الضغوط والانتقادات، مصممة على المضي في إجراءاتها، إذ أكد رئيس الوزراء برنهام أن بريطانيا «يجب أن تدفع ثمن موقفها»، مشدداً على أنه «في هذا العالم الصعب والخطير، يجب أن تقف بريطانيا من أجل شيء ما».
واعتبرت روزوفسكي أن ما تشهده الساحة الدولية يمثل «تسونامي سياسياً»، في إشارة إلى التحولات المتسارعة في مواقف عدد من الدول الغربية تجاه إسرائيل والقضية الفلسطينية، ولا سيما بعد اعتراف دول غربية بالدولة الفلسطينية وتحركات أوروبية متزايدة ضد الاستيطان. وختمت بالقول إن المشهد الدولي قد يكون مختلفاً خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة المقبلة، خصوصاً مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية، معتبرة أن حجم التحرك الدولي الواسع الذي شهدته الاجتماعات السابقة قد لا يتكرر بالوتيرة نفسها، في ظل التطورات السياسية والعسكرية المتسارعة في المنطقة.