محليات

خبراء: التوجيه الملكي يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التمويل المناخي

نجاحه يتطلب تعاوناً مطلقاً بين مختلف الجهات

الاستراتيجية تنقل التمويل المناخي من مشاريع متفرقة إلى منظومة متكاملة
اعتبر خبراء وناشطون بيئيون، أن توجيهات جلالة الملك عبدالله الثاني للحكومة بوضع استراتيجية وطنية متكاملة وموحدة للتمويل المناخي، يشكل لحظة مفصلية لإعادة تنظيم الجهود الوطنية المتناثرة في هذا المجال ضمن إطار موحد.
واعتبروا في تصريحات لـالرأي ان هذه التوجيهات تستثمر المكاسب التي حققتها المملكة مؤخرًا، وفي مقدمتها حصولها على تمويل بقيمة 295 مليون دولار من صندوق المناخ الأخضر لمشروع الناقل الوطني للمياه، إضافة إلى اختيارها مقرًا لمكتب الصندوق التمثيلي لمنطقة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى وأوروبا الشرقية.
وجاء هذا التوجيه خلال ترؤس جلالته، الاثنين، اجتماعًا لمتابعة جهود الحكومة وخططها في مجال التمويل الأخضر والمناخي، بحضور سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني ولي العهد، حيث وجّه جلالته الحكومة إلى وضع الاستراتيجية بالتعاون والتنسيق مع القطاع الخاص، مع التأكيد على أهمية توفير برامج للدعم الفني تُمكّن القطاعين العام والخاص من الاستفادة من مصادر التمويل المناخي المتوافرة، وأدوات الحد من الانبعاثات الكربونية، بما ينسجم مع المستهدفات المحلية والعالمية للبيئة والمناخ.
وفي هذا السياق، قال رئيس شعبة الهندسة المعمارية في نقابة المهندسين، الناشط البيئي عماد الدباس، إن «توجيهات جلالة الملك واضحة، خصوصًا أن هناك التزامات على الأردن مترتبة عن الاتفاقيات الدولية التي انضم إليها»، موضحًا أن التمويل الأخضر والتمويل المناخي يهدفان في جوهرهما إلى التخفيف من آثار التغير المناخي، عبر استثمارات موجهة في معظمها نحو الطاقة المتجددة والمباني الخضراء وما شابهها من المشاريع.
وشدد الدباس على أنه «يجب أن نستفيد من هذه المنح بالتعاون مع القطاع الخاص»، مؤكدًا أن نقابة المهندسين «جاهزة للتعاون بكل الأشكال لإنجاح هذه المشاريع».
وتأتي هذه التوجيهات في وقت يمتلك فيه الأردن أرضية سياساتية متراكمة في هذا الملف، تعود إلى صدور الخطة الوطنية للنمو الأخضر عام 2017، مرورًا بإصدار أول سند أخضر بقيمة 50 مليون دولار عبر القطاع المصرفي المحلي عام 2023، ووضع البنك المركزي الأردني في العام ذاته حجر الأساس لاستراتيجية التمويل الأخضر للفترة 2023-2028. ويشير الدباس إلى أن «في الأردن هناك قروض خضراء من خلال البنك المركزي لتمويل مشاريع خضراء تسهم في التخفيف من الانبعاثات»، وهو ما يوفر، بحسبه، أدوات جاهزة يمكن البناء عليها ضمن أي استراتيجية وطنية موحدة.
ويرى الدباس أن الاستراتيجية التي وجه بها جلالة الملك «يجب أن يلتقط الجميع رسائلها، وأن يعمل على تنفيذ كافة بنودها، وأن يكون التعاون بين مختلف الجهات المعنية تعاونًا مطلقًا لا يحتمل التجزئة»، لافتًا إلى أن نجاح أي منظومة تمويل مناخي مرهون بمدى التزام مؤسسات الدولة والقطاع الخاص معًا بترجمة التوجيه الملكي إلى برامج عمل واضحة المعالم.
من جهتها، اعتبرت الناشطة والخبيرة البيئية رئيس جمعية دبين للتنمية البيئية هلا مراد أن توجيه جلالة الملك بوضع استراتيجية وطنية متكاملة وموحدة للتمويل المناخي، بالتعاون مع القطاع الخاص والجهات ذات الخبرة، يشكل خطوة استراتيجية تعزز قدرة الأردن على مواجهة التحديات المناخية وتحويلها إلى فرص اقتصادية وتنموية حقيقية.
وأضافت أن من شأن هذا التوجيه أن ينقل التمويل المناخي في المملكة من نمط تمويل المشاريع المنفردة المتفرقة إلى منظومة وطنية متكاملة، تستقطب التمويل وتوجهه بعناية نحو الأولويات الوطنية والمشاريع ذات الأثر الاقتصادي والبيئي والمجتمعي الأوسع.
وأشارت إلى أن حصول الأردن على 295 مليون دولار من صندوق المناخ الأخضر لمشروع الناقل الوطني للمياه يعكس ثقة دولية متنامية بقدرة المملكة على تنفيذ مشاريع استراتيجية تستجيب للأولويات المناخية والتنموية في آن واحد.
وعلى صعيد المؤسسات الوطنية المعنية بهذا الملف، استكمل بنك تنمية المدن والقرى مؤخرًا متطلبات اعتماده كأول جهة وطنية رسمية تعتمد لدى صندوق المناخ الأخضر، في خطوة تفتح الباب أمام مزيد من المشاريع الوطنية المؤهلة للاستفادة من موارد الصندوق مباشرة. ومن المقرر أن يعقد الصندوق اجتماعه المقبل في الأردن، وهو ما يتيح فرصة إضافية لطرح مشاريع تمويل واستثمار وشراكة جديدة بين القطاعين العام والخاص، في وقت تستهدف فيه رؤية التحديث الاقتصادي 2033 جلب استثمارات بنحو 41 مليار دينار لرفع معدلات النمو إلى 5.6 بالمئة بحلول عام 2033، وخلق نحو مليون وظيفة دائمة، ضمن قطاعات يتصدرها المياه والنقل والزراعة والبيئة والسياحة والطاقة، وفي مقدمة مشاريعها الكبرى مشروع الهيدروجين الأخضر.
ولا تقتصر الفرص المرتبطة بالاقتصاد الأخضر على المشاريع المحلية، إذ تشهد المنطقة مشاريع إقليمية وعابرة للقارات تتقاطع مع هذا التوجه، من مشاريع السكك الحديدية التي تربط السعودية بالأردن فسوريا فتركيا وصولًا إلى أوروبا، إلى مشاريع الربط الكهربائي بين مصر والأردن والعراق وسوريا ولبنان، وهي مشاريع تتقاطع أيضًا مع فرص التمويل الأخضر المرتبطة بجهود إعادة الإعمار في الإقليم، وتفتح آفاقًا لشراكات جديدة بين الحكومات والقطاع الخاص.
أما الدكتور أحمد جبر الشريدة، الناشط البيئي وأستاذ البيئة، فقد رأى أن الشراكة مع القطاع الخاص تمثل ركنًا أساسيًا لا غنى عنه لنجاح أي استراتيجية وطنية للتمويل المناخي، خصوصًا في قطاعات الطاقة والمياه وإدارة النفايات والنقل المستدام والزراعة الذكية مناخيًا والسياحة البيئية والحلول القائمة على الطبيعة.
وأوضح أن مواجهة التغير المناخي لا تمثل مسؤولية بيئية فحسب، بل تشكل في الوقت ذاته فرصة وطنية لإعادة توجيه الاستثمار نحو قطاعات المستقبل، وخلق فرص العمل، وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني، وحماية الموارد الطبيعية، وبناء أردن أكثر قدرة على الصمود والاستدامة.
وأكد الشريدة أن ترجمة هذه الفرص إلى واقع ملموس تتطلب مواصلة تطوير التشريعات والسياسات المحفزة للاستثمار المستدام، بما يواكب حجم المشاريع الكبرى التي يشهدها الأردن ومحيطه الإقليمي، مشددًا على أن نجاح الاستراتيجية الوطنية المرتقبة سيُقاس في نهاية المطاف بقدرتها على تحويل هذه الفرص إلى شراكات فاعلة ومستدامة بين الحكومات والقطاع الخاص.