من الاستثمار الى الحماية.. تحول لافت في ثقافة الادخار الأردنية
08:26 10-9-2026
آخر تعديل :
الخميس
لم يعد الادخار بالنسبة لكثير من الأسر الأردنية قرارًا ماليًا بسيطًا يمكن اتخاذه في نهاية كل شهر، إذ فرض ارتفاع تكاليف المعيشة وتعدد الالتزامات اليومية إعادة ترتيب الأولويات بين تلبية الاحتياجات الأساسية، وسداد الديون، والاحتفاظ ولو بمبلغ صغير للطوارئ.
واشار وزير الدولة الاسبق للشؤون الاقتصادية الدكتور يوسف منصور إلى أن الأردنيين اعتادوا تاريخيًا على الادخار من خلال شراء الأراضي والعقارات، لافتًا إلى أن تغير أنماط الحياة والاستهلاك أدى إلى ارتفاع النفقات مقارنة بالماضي.
وأوضح منصور أن الأسرة باتت أمام احتياجات لم تكن تعد أساسية في السابق، مثل امتلاك سيارة، وتوفير هاتف محمول لكل فرد، إلى جانب متطلبات التعليم والاتصالات، ما أدى إلى زيادة الإنفاق.
ورأى أن تحسين خدمات النقل العام والخدمات الأساسية يمكن أن يسهم في خفض جزء من النفقات، وبالتالي توفير مساحة أكبر للادخار.
وفيما يتعلق بحجم تراجع قدرة الأسر على الادخار، قال منصور:' إنه لا يمتلك رقمًا دقيقًا، لكنه أشار إلى أن المدخرات في البنوك ما تزال كبيرة، معتبرًا أن ارتفاع حجم الودائع يعكس وجود قدرة ادخارية لدى شريحة من المجتمع'.
واكد منصور أن التحدي لا يرتبط فقط بحجم المدخرات، وإنما بكيفية توظيفها، بحيث تتحول إلى قروض واستثمارات تسهم في تحريك النشاط الاقتصادي.
وبين أن العلاقة بين الادخار والإنفاق تحمل نوعًا من المفارقة الاقتصادية؛ فارتفاع الادخار يعني انخفاض الإنفاق، ما قد يضعف الطلب على السلع والخدمات ويؤثر في النشاط الاقتصادي، في حين أن زيادة الإنفاق تحفز الطلب والنمو.
ولفت أن الاقتصاد يحتاج إلى توازن بين الادخار والاستهلاك، قائلًا إن 'خير الأمور الوسط'، خصوصًا أن الأسر تحتاج إلى أموال احتياطية لمواجهة الظروف الطارئة، فيما يحتاج الاقتصاد إلى استمرار الطلب المحلي.
من جانبه، يرى المستشار المالي إبراهيم بشايرة أن الادخار ما يزال ممكنًا للأسر الأردنية، لكنه لم يعد أمرًا سهلًا أو تلقائيًا، بل أصبح يحتاج إلى تخطيط مالي واضح وضبط للإنفاق وتضحيات في بعض المصروفات غير الأساسية.
وأشار بشايرة إلى أن القدرة على الادخار تتركز بدرجة أكبر لدى الأسر ذات الدخول المتوسطة والعالية أو التي تمتلك مصادر دخل متعددة، مبينًا أن مفهوم الادخار نفسه تغير؛ فلم يعد بالضرورة اقتطاع مبلغ كبير من الدخل، وإنما يمكن أن يبدأ بمبالغ صغيرة يتم تجميعها تدريجيًا، ثم استثمارها في أصول صغيرة للحفاظ على قيمتها، مثل الذهب أو الفضة.
وأضاف أن ارتفاع تكاليف المعيشة والإيجارات وأقساط القروض والفوائد، إلى جانب تغير أنماط الحياة، جعل مهمة الادخار أكثر صعوبة، خصوصًا مع تحول بعض النفقات التي كانت تعد كمالية إلى احتياجات شبه أساسية، مثل الاتصالات والتكنولوجيا ومتطلبات التعليم.
وبحسب بشايرة، فإن سداد الديون ذات الفوائد المرتفعة يجب أن يحظى بالأولوية، خصوصًا بطاقات الائتمان والقروض الشخصية مرتفعة الكلفة، لكن ذلك لا يعني إلغاء الادخار بشكل كامل، إذ ينصح بالاحتفاظ بمبلغ صغير للطوارئ لتجنب اللجوء إلى الاقتراض مجددًا عند حدوث ظرف مفاجئ.
وحدد بشايرة عددًا من الأخطاء التي تحول دون قدرة الأسر على الادخار، أبرزها انتظار نهاية الشهر لادخار ما يتبقى من الدخل، موضحًا أن الأفضل هو اقتطاع مبلغ الادخار أولًا، ثم تنظيم النفقات وفق المبلغ المتبقي.
كما حذر من التوسع في الشراء بالتقسيط واستخدام بطاقات الائتمان، إلى جانب الخلط بين الاحتياجات والرغبات، الأمر الذي قد يؤدي إلى تضخم النفقات تدريجيًا.
ولفت إلى أن ثقافة الادخار لدى الأردنيين شهدت تغيرًا ملحوظًا، إذ انتقلت من الادخار بهدف الاستثمار إلى الادخار الوقائي المرتبط بالحماية من الأزمات والظروف الطارئة، بالتزامن مع زيادة الاهتمام بالذهب وارتفاع الوعي المالي لدى الشباب.
وبينما تحتاج الأسرة إلى الادخار لحماية نفسها من المفاجآت، يحتاج الاقتصاد في المقابل إلى الإنفاق لتحريك الطلب والنمو، ما يجعل التوازن بين الادخار والاستهلاك ضرورة مشتركة.
وفي ظل ارتفاع الالتزامات، قد لا يكون الادخار اليوم مرتبطًا بالقدرة على توفير مبالغ كبيرة، بقدر ما يتعلق بقدرة الأسرة على تخصيص مبلغ صغير ومنتظم لحماية نفسها من المستقبل. فحتى المبلغ المحدود، إذا تراكم مع الوقت، يمكن أن يشكل هامش أمان يساعد الأسرة على مواجهة الطوارئ ويقلل حاجتها إلى الاقتراض.