تمضي الحكومة في تنفيذ برنامج متكامل لتحديث الإدارة العامة، مستهدفة رفع كفاءة الجهاز الحكومي وتحسين جودة الخدمات من خلال تبسيط الإجراءات والتوسع في الرقمنة وتطوير الموارد البشرية إضافة الى تعزيز الحوكمة وقياس الأداء.
ويشكل البرنامج التنفيذي الثاني لتحديث القطاع العام للأعوام 2026–2029 مرحلة جديدة تنتقل فيها عملية الإصلاح من بناء الأطر والمنظومات إلى التركيز بصورة أكبر على النتائج والأثر المباشر على المواطن، اذ يشمل البرنامج نحو 111 مشروعا تنفذها 22 جهة حكومية.
لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في تحويل المعاملات الورقية إلى إلكترونية فقط وإنما في إعادة تصميم الخدمة من أساسها عبر إلغاء الإجراءات والمتطلبات المكررة وربط المؤسسات الحكومية وتطبيق مبدأ ما يطلق عليه بالمرة الواحدة او النافذة الواحدة بحيث لا يضطر المواطن إلى تقديم المعلومات نفسها لأكثر من جهة. ولا يُخفي البرنامج التنفيذي الثاني نفسه من جود تحديات ما تزال بحاجة إلى معالجة من بينها تعقيد بعض الإجراءات وضعف تكامل بعض الخدمات، إضافة الى الحاجة إلى تعزيز وفتح قنوات تواصل جديدة مع المواطن والاستماع له.
فالتكنولوجيا وحدها لا تصنع إدارة حديثة إذ يحتاج الإصلاح إلى موظف حكومي مؤهل وقادر على التعامل مع الأدوات الرقمية والبيانات والذكاء الاصطناعي، إضافة إلى قيادات تمتلك القدرة على إدارة التغيير، وفي هذا الإطار تضمنت خارطة التحديث تطوير الأكاديمية الوطنية للإدارة الحكومية لتكون ذراعا وطنية في بناء القدرات وتأهيل القيادات الحكومية وفق منظومة قائمة على الكفايات والمهارات.
من هنا يبدو أن نجاح التحديث الإداري سيقاس في المرحلة المقبلة بمدى شعور المواطن بالتغيير والرضا في حياته اليومية كمعاملة أسرع وإجراءات أبسط خدمات رقمية أكثر كفاءة ومؤسسات حكومية أكثر استجابة، اذا فالهدف النهائي الذي تسعى له الحكومة ليس مجرد حكومة رقمية فقط، وإنما إدارة عامة أكثر كفاءة وشفافية وقدرة على خدمة المواطن، وتعزيز الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
ولا شك ان الجهد الحكومي في تحديث الإدارة العامة يمثل خطوة متقدمة لإعادة بناء الجهاز الحكومي على أسس أكثر كفاءة ومرونة، ومن المتوقع أن تشهد المرحلة المقبلة انتقالا من بناء المنظومات والانظمة إلى التركيز على النتائج والأثر المباشر في الخدمات الحكومية، بما يجعل المواطن محورا رئيسيا في عملية التحديث.
وهو ما يؤكده خبير الإدارة العامة والمستشار الضريبي الدكتور زياد الوريكات بأن عملية التحديث تحتاج إلى مراجعة مستمرة للجدول الزمني ومتطلبات التنفيذ إلى جانب تعزيز اللامركزية ومنح الإدارات المحلية دورا أكبر في تقديم الخدمات، مشيرا إلى أن التحدي الأكبر يتمثل في معالجة تداخل الاختصاصات وتبسيط الإجراءات وربط المؤسسات الحكومية ببعضها حتى لا تتحول الرقمنة إلى مجرد نقل للإجراءات التقليدية إلى منصات إلكترونية.
وأضاف ان الاختبار الحقيقي للتحديث الإداري لا يتمثل فقط في عدد الخدمات التي جرى رقمنتها أو المشاريع التي تم إنجازها وإنما في قدرة الحكومة على تقديم خدمة أسرع وأسهل وأكثر كفاءة، وتعزيز ثقة المواطن بالمؤسسات العامة.
فيما يوضح الباحث الاقتصادي والاداري الدكتور أكرم خليف أن معالجة البيروقراطية وتداخل الصلاحيات وتعدد الحلقات الإدارية تعتبر من الشروط الأساسية لنجاح عملية التحديث، إضافة إلى تعزيز التقييم والمساءلة على أساس الكفاءة والنتائج، لافتا الى وجود دعم مؤسسي قوي لعملية الإصلاح وتعزيز قدرة الجهات المسؤولة عن التحديث على التنسيق بين المؤسسات ومتابعة النتائج.
وتابع أن التركيز الحكومي يتجه بصورة متزايدة إلى قياس الأثر الفعلي للإصلاح وليس فقط تسجيل نسب الإنجاز مستشهدا باستخدام أدوات مثل» المتسوق الخفي» لرصد مستوى الخدمات وقياس التحسن في أداء المؤسسات الحكومية.
وقال ان المرحلة المقبلة تبدو أمام الحكومة أكثر ارتباطا بترجمة مشاريع التحديث إلى نتائج يلمسها المواطن مباشرة من خلال خدمة أسرع وإجراءات أبسط ومؤسسات أكثر تكاملا، وان يكون الموظفون أكثر كفاءة وقدرة على التعامل مع متطلبات الإدارة الحديثة.
التحديث الإداري وتجويد الخدمات الحكومية.. المواطن في قلب الخدمة
11:39 8-9-2026
آخر تعديل :
الثلاثاء