محليات

الإعاقة والصحة النفسية.. أبعد من حدود الجسد

الكرمي: التشخيص النفسي ليس مهمة مواقع التواصل

بين ضغوط نفسية قد يعيشها أي إنسان وعقبات إضافية تفرضها البيئة والصور النمطية على الأشخاص ذوي الإعاقة تبرز الحاجة إلى فهم أوسع للصحة النفسية لا يختزل الإنسان في تشخيص أو حالة جسدية ولا يعتبر طلب المساعدة ضعفا أو رفاهية.
المتخصصة في علم النفس الإكلينيكي حنين الكرمي أكدت أن مطالبة الإنسان بأن يكون قويا طوال الوقت، قد تتحول بحد ذاتها إلى عبء نفسي، موضحة أن المشاعر لا تختفي لمجرد إنكارها، بل قد تجد طريقا اخر للتعبير عن نفسها. وبينت في مقابلة مع الرأي أن بعض الرجال على سبيل المثال، قد يمنعون اجتماعيا من التعبير عن الحزن أو البكاء تحت شعار «كن قويا»، فيتحول الحزن المكبوت إلى غضب أو سلوك مؤذ، فيما قد تلجأ بعض النساء إلى كبت مشاعرهن والاستمرار في أداء واجباتهن وكأن شيئا لم يحدث.
وأضافت الكرمي أن الاعتراف بالضعف في لحظة ما وطلب الدعم لا يتعارضان مع القوة، بل قد يكونان جزءا منها، حيث أن المرونة النفسية لا تعني تجاهل الألم، وإنما القدرة على عيشه ثم استعادة الحياة وصناعة خيارات جديدة.
وحذرت من تحول الانتشار الواسع لمصطلحات الصحة النفسية عبر مواقع التواصل الاجتماعي إلى باب للتشخيص العشوائي، رغم مساهمته في رفع مستوى الوعي وتقليل الوصمة المرتبطة بطلب المساعدة.
وقالت أن «ليس كل حزين مكتئبا، وليس كل من مر بموقف صعب مصاباً بصدمة نفسية»، مؤكدة أن تشخيص الاضطرابات يقوم على معايير واضحة تشمل طبيعة الأعراض ومدتها وتأثيرها في حياة الشخص، ويجب أن يبقى من اختصاص المؤهلين لذلك.
وأوضحت أن الحزن والقلق والضغط قد تكون استجابات طبيعية لأحداث الحياة، لكن استمرار الأعراض وتأثيرها في قدرة الإنسان على الاستمتاع بالحياة أو علاقاته وعمله قد يشير إلى الحاجة لمساعدة متخصصة، حتى لو بدا الشخص ظاهريا قادرا على ممارسة حياته بصورة طبيعية.
وتابعت بأن العلاج النفسي في مثل هذه الحالات «ليس رفاهية»، بل وسيلة لفهم ما يحدث واستعادة جودة الحياة.
وفيما يتعلق بالأشخاص ذوي الإعاقة، فرقت الكرمي بين حدود الحالة الجسدية وبين الإعاقة التي قد تخلقها البيئة المحيطة، إذ أن عدم القدرة على المشي مثلا، قد تكون حدود الحالة الجسدية، لكن غياب المصعد أو وسيلة النقل المهيأة يصنع عائقا بيئيا جديدا، فيما تبدأ الإعاقة الثقافية عندما يحكم على قدرات الشخص وفهمه وكفاءته انطلاقا من إعاقته.
وأشارت إلى أن بعض الأشخاص ذوي الإعاقة يشعرون بأنهم مطالبون بإثبات قدراتهم أكثر من الاخرين، محذرة من الخطر النفسي الذي يحدث عندما يتبنى الشخص الصورة التي يفرضها المجتمع عليه، فيبدأ بالنظر إلى نفسه باعتباره أقل قدرة رغم امتلاكه المؤهلات والكفاءة.
ودعت الكرمي المؤسسات وأصحاب القرار إلى توفير بيئات عمل مهيأة وعادلة، معتبرة أن المطلوب ليس تدريب الأشخاص باستمرار على تجاوز العقبات، بل إزالة العقبات التي يمكن إزالتها ومنحهم فرصة متساوية لإظهار قدراتهم.
وأكدت أن الصحة النفسية للأشخاص ذوي الإعاقة ما تزال تعامل أحيانا باعتبارها أمرا ثانويا أمام العلاج والتأهيل والاحتياجات الأساسية، رغم أن الخروج والتواصل وبناء العلاقات وخوض التجارب والاستقلالية، عناصر أساسية في الصحة النفسية والجسدية.
كما لفتت إلى استمرار الصور النمطية المتعلقة بحق الأشخاص ذوي الإعاقة في الزواج وتكوين الأسرة والحصول على خدمات الصحة الجنسية والإنجابية، داعية إلى تهيئة الخدمات الصحية وتدريب الكوادر على التعامل معها بوصفها حقوقا وليست استثناءات.
وحذرت من أن الحماية الأسرية الزائدة، رغم انطلاقها من الخوف والمحبة، قد تسلب الشخص حق اتخاذ القرار وخوض التجربة، وتزرع لديه شعورا بالعجز.
ونوهت الكرمي إلى أن الفرق كبير بين أن تقول لشخص «اختر وأنا إلى جانبك»، وبين أن تتخذ قراراته نيابة عنه، مؤكدة أن الدعم الحقيقي يمنح الإنسان فرصة أن يعيش حياته، لا أن يعيش الاخرون الحياة عنه.