راجعه - عبد الكريم الوحش - ليس أكثر مما يمكن أن يقال في عالم لم تعد فيه أي قيمة للمسافات نظرا إلى ثورة التكنولوجيا التي أضحت بالعالم قرية صغيرة، سوى أن النظم التي كانت سائدة في عهد من العهود صارت اليوم في حكم الأفكار البالية لا تلائم في أهدافها وغاياتها متطلبات عصر يلج إلى عمق المعرفة وأسرار الحياة دون قيود أو حواجز.
ولعل مما يندرج ضمن هذا السياق التساؤل الذي تكرر كثيرا حول صلاحية القواعد والقوانين التقليدية الدارجة للتعاملات التجارية والمصرفية التي هي الأصل محكومة بعاملي السرعة والائتمان،خصوصا إذا علمنا أننا الآن بتنا قادرين، بوجود الانترنت (شبكة الاتصالات العالمية) والوب وسيلة لتنظيم وتخزين وتوزيع المعلومات)،على تبادل الأفكار والمعلومات وحتى إجراء المفاوضات دون عناء يذكر.
وتبرز أهمية هذا التساؤل في ظل ولادة نوع جديد من العقود التجارية صار يعرف (بعقد نقل التكنولوجيا) شاع استعماله بين رجال الأعمال هذه الأيام وتحديدا الشركات التجارية عموما والقابضة تحديدا يتمثل في الاعتماد بالدرجة الأولى على الانترنت في إبرام هذا النوع من العقود بدءا من المفوضات وانتهاء بالتوقيع على العقد.
وكما هو حال كل جديد، ثارت لدى المتعاملين مع هذا العقد مشاكل عديدة معظمها عام جاء بحكم انضوائه تحت مظلة النظرية العامة للعقد وتحديدا في مجال كيفية التحقق من ركني الرضا وأهلية المتعاقدين في ظل غياب الوسائل التقليدية (الورقية) في إبرام العقود التي تجعل لوسائل الإثبات التقليدية قيمة تذكر.
ومنها ما هو خاص يتعلق بطبيعة ذلك العقد الذي تكون لوسيلة لاتصال العالمية (الانترنت ) دور كبير في إبرامه مع ما يرتبط مع هذه الحقيقة من مقتضيات تتمثل في اختلاف مكان وزمان انعقاد العقد لمتعاملين تختلف أعمارهم وأجناسهم وثقافاتهم، الأمر الذي يجعل من مسألة الإثبات أمرا صعبا في حال نشوب نزاع بين المتعاقدين وتحديد القانون الواجب التطبيق إذا شاب احد أطراف العلاقة القانونية عنصر أجنبي.
في هذا الصدد يحاول الأستاذ عيسى الصمادي الإجابة على هذه التساؤلات في كتابه «عقد نقل التكنولوجيا الالكتروني عبر الانترنت» معتمدا في ذلك النصوص القانونية العامة والواردة في القانون المدني والاتفاقيات الدولية - هذا في حال غياب النص الخاص- والوارد في قانون المعاملات الالكترونية الأردني رقم (85) لسنة 2001، ونصوص من قانون البينات الأردني رقم (30) لسنة 1952،ونصوص قانون البنوك الأردني رقم (28) لسنة 2000. منتهجا في ذلك أسلوب الدراسة المقارنة مع ما ورد في القوانين المصرية.
الطبيعة القانونية للعقد
في البدء نحاول التعريف بهذا النوع من العقود والذي لا يسعفنا الكاتب كثيرا في محاولة فهمه إذ أن اللبس مازال يخيم على بعض جوانبه، لكن ابرز تلك التعريفات التي ساقها الكاتب في التعريف بعقد نقل التكنولوجيا ما ورد في نص قانون المعاملات الالكترونية الذي أكد على انه «الاتفاق الذي يتم انعقاده بوسائل الكترونية كليا أو جزئيا».
من هذا المنطلق كان البحث في طبيعة العقد مرتبطا بالدرجة الأولى في تحديد مدى مشروعيته،وهنا نرى الكاتب قد اعتمد على النصوص العامة والواردة في القانون المدني،والخاصة الواردة في قانون المعاملات الالكتروني .
فالنصوص العامة وتحديدا المادة (102) /مدني أجازت «التعاقد بالهاتف أو بأية طريقة مماثلة بالنسبة للمكان كأنه تم بين متعاقدين لا يضمهما مجلس واحد حين العقد وأما بالنسبة للزمان فيعتبر تم بين حاضرين في المجلس».
أما النص الخاص فقد اعتبره قانون التعاملات الالكترونية من قبيل العقود التبادلية قائم على ارادتين الأولى: إرادة المستورد، والثانية إرادة المورد بهدف القيام بعمل معين أو الامتناع عن القيام بعمل معين لقاء عوض محدد .
وعليه يخلص الكاتب إلى أن بعد المسافة واختلاف الطرفين لا يمنع من إبرام هكذا عقد عبر وسائل الاتصال المختلفة، «فهو تعاقد صحيح يتضمن أركان وشروط العقد ولا يتعارض مع الأحكام العامة للعقد،فالتعاقد عبر شبكة الانترنت هو تعاقد بين حاضرين من حيث الزمان ومابين غائبين من حيث المكان».
وفي هذا الصدد نصت المادة من قانون المعاملات الالكترونية في المادة 7/ا على «اعتبار السجل الالكتروني والعقد الالكتروني والرسالة الالكترونية والتوقيع الالكتروني منتجا للآثار القانونية...».
أما بالنسبة للمشرع المصري والذي نرى الكاتب قد تعامل معه بعجالة دون تفصيل، مبقيا الأسئلة الدائرة في الخلد على حالها فقد أكد أن «المشرع المصري قد ساوى بين التوقيع الالكتروني والعادي المتداول ...».
شروط العقد
لعل ما يثار عند البحث في أركان وشروط العقد هو تحديد الموقف القانوني في حال صدوره عن شخص لا يملك أهلية الأداء (صلاحية الشخص لإعمال أرادته إعمالا من شأنه ترتيب الأثر القانوني) والتي قد تكون كاملة أو ناقصة أو معدومة، حيث لا يمكن وهنا لخصوصية عقد نقل التكنولوجيا التثبت من أهلية المتعاقد.
في هذا الصدد يستند الكاتب الصمادي إلى رأي الأستاذ محمد الخطيب الذي يؤكد أن «المادة 12/1 من قانون التصرفات المالية اعتبرت الأهلية الناقصة والتي تم إخفاؤها بسوء نية ولسبب لا يسهل التثبت منها معتد بها وملزمة لصاحبها ومنتجة للأثر القانوني».
ويعرج الكاتب إلى استعراض الوسائل الاحتياطية في منع أي شخص ناقص الأهلية من إبرام العقد عبر الشبكة الالكترونية، من أبرزها وأكثرها تأثيرا «البطاقة الذكية (الهوية الالكترونية) هي تقنية تمكن مستخدم الانترنت من تحديد هوية المتعامل مع الشبكة عبر ما توفر عنه من معلومات على الشبكة، لكن تفترض هذه الوسيلة وجود تنسيق دولي بين الدول» .
في المقابل جاء القانون المصري خلوا من نصوص تتعامل مع حالة نقصان الأهلية أو تقديم معلومات كاذبة حول عمر العميل .
هذا من جهة الأهلية أما بالنسبة لركن الرضا الذي يتضمن ارادتين الأولى إرادة من يصدر عنه الإيجاب إلى الطرف الأخر معينا كان أم غير معين بهدف إنشاء عقد مع طرف هو من يصدر عنه القبول.
وفي هذا الصدد يشير الكاتب إلى أن القانون اعتبر «رسالة المعلومات وسيلة من وسائل التعبير عن الإرادة المقبولة قانونا إبداء الإيجاب أو القبول بقصد إنشاء التزام تعاقدي» المادة 13من قانون المعاملات الالكترونية .
ويفيد الكاتب أن «العرض المنشور على الموقع الالكتروني لا يشكل إيجابا وإنما إجابة مستخدم الموقع (المستورد) هي التي تشكل الإيجاب وان الرد الذي يرسله صاحب الموقع (المورد) يشكل القبول التي باقترانها ينعقد العقد».
وفي هذا السياق يركز الكاتب على مسألة جوهرية هي من صميم البحث في ركن الرضا تتمثل في حالة الخلاف التي قد تنشأ بين المتعاقدين، وفيما إذا كان يضمهم مجلس واحد أم لا.
ويتكىء الكاتب في الإجابة على هذا التساؤل إلى رأيي الأستاذين السنهوري و الدكتور عبد المنعم ألصده اللذين أكدا على أن «المحور الرئيسي للتمييز بين التعاقد بين حاضرين و التعاقد بين غائبين هو وجود فترة زمنية بين صدور القبول وعلم الموجب له».
الإثبات
المشكلة التي تثور هنا - بحسب الكاتب - حول كيفية إثبات التصرفات القانونية في ظل تقنيات حديثة لا تأخذ بالطابع التقليدي(ألورقي)، وأمام وسائل إثبات وردت حصرا في قانون البينات (الكتابة، والشهادة، والقرائن، والمعاينة والخبرة، والإقرار، واليمين).
وفي هذه الحالة يلجأ الكاتب إلى القواعد العامة التي تؤكد على ان «الإثبات في المواد المدنية والتجارية يكون بالكتابة إلا ما استثني بنص خاص في القانون ... وفي هذه الحالة تؤكد المادة (13) من اتفاقية الأمم المتحدة الموقعة في غينيا عام 1980 على أن... الكتابة ... لا يشترط أن تكون قائمة على الورق بالمفهوم التقليدي بل تشمل بمفهومها الحديث المصنفات الرقمية الحديثة (المعلومات الرقمية)، مضيفا انه «باعتبار عقد نقل التكنولوجيا من فئة الأعمال التجارية ففي هذه الحالة تسري عليها قاعدة حرية الإثبات بكافة الطرق القانونية ... ولعل الوسائل الالكترونية إحداها».
وفي هذا السياق ومما يرتبط لزاما مع جزئية الإثبات تحديد مدى حجية التوقيع الذي سيكون مختلفا عن ما هو متداول في المعاملات الاعتيادية، وفي هذا الصدد يؤكد المؤلف أن «التوقيع كما يكون بالختم الرسمي والإمضاء وبصمة الإصبع يكون كذلك بالتشفير أو الأرقام أو الرموز الاليكترونية».
وحتى يعتبر القيد أو العقد أو السجل الاليكتروني حجة في الإثبات يؤكد المؤلف أنه لا بد من التفريق ما بين الأنواع السابقة الذكر «إذ حدد المشرع لكل منها شروطا حتى يعتد بها في الإثبات كنه يعود ويؤكد على أن التشريعات الحديثة ومنها التشريع الأردني تعامل معها باعتبارها سندا عاديا (لا تتمتع بصفة الإسناد الرسمي من حيث عدم جواز الطعن بها إلا بالتزوير )».
تنازع القوانين
يحاول المؤلف - وهو في هذا قد جانب الصواب - الإجابة على تساؤل في غاية الأهمية حول القانون الواجب التطبيق في حالات ظهور تنازع القوانين (الايجابي :التمسك بأحقية تطبيق قانون الدولة باعتباره الواجب التطبيق، أو السلبي : على اعتبار أن قانون الدولة غير واجب التطبيق في حالة معينة )، دون أن يخوض في التفاصيل ذات الصلة بهذا الموضوع خصوصا وانه سبق الإشارة إلى أن عقود نقل التكنولوجيا بحكم ارتباطها بشبكة الاتصالات العالمية (الانترنت) لا بد وان يشوب العلاقة القانونية الناشئة بسببها عنصر أجنبي يدفع الدول في حال الخلاف إلى التمسك بقانونها أو التنصل منه.
لكن المؤلف ينتهي إلى التفريق بين حالتين في إطار الإجابة على هذا التساؤل : الأولى في حال وجود اتفاق بين الأطراف على القانون أو الجهة المسؤولة عن فض النزاع، وفي هذه الحالة يلجأ الأطراف إلى إعمال مبدأ سلطان الإرادة، والثانية :في حال السكوت عن تحديد القانون الواجب التطبيق، وفي هذه الحالة لا يسعفنا الكاتب كثيرا في الإجابة رغم ما تزخر به المكتبة القانونية من كتب ومؤلفات بهذا الخصوص ومنها بالإضافة إلى ما استند إليه (القانون الواجب التطبيق على موضوع النزاع في العقد التجاري للدكتور محمود الكيلاني) كان كتاب القانون الدولي الخاص للدكتور غالب علي الداوودي وهو من الكتب التي تخصصت في البحث في القواعد القانونية التي تعالج تنازع القوانين.
إلا أن المؤلف يذكر الاتجاهات التي تشكل محاولة بسيطة للإجابة على هذا التساؤل ومنها «من تمسك بقانون الجنسية،أو قانون القاضي».
بقي أن نشير إلى أن الكتاب يشكل خطوة على طريق رفد مكتبتنا القانونية بمؤلفات من هذا القبيل خصوصا وأنها للأسف- تشهد ندرة تسجل عليها وعلى المختصين بالعلوم القانونية رغم ما يقدمه المؤلف ومن لف لفيفه من معلومات نحن في أمس الحاجة إليها في زمن صار فيه «الانترنت» جزءا مهما في حياتنا.. كيف لا وهو زمن العولمة.
«عقد نقل التكنولوجيا الالكتروني».. عصرنة التفاوض وإبرام العقود
12:00 30-6-2005
آخر تعديل :
الخميس