اختيار التخصص الجامعي.. بين حلم الطالب وواقع سوق العمل

تاريخ النشر : الأحد 11:48 6-9-2026
No Image

مع بدء موسم القبول الجامعي الموحد، تتجه أنظار طلبة الثانوية العامة وذويهم إلى اختيار التخصص الجامعي الذي يشكل بوابة المستقبل الأولى، فيما تعود التخصصات الصحية، وفي مقدمتها الطب وطب الأسنان والصيدلة، إلى واجهة اهتمامات الطلبة والأسر، لما تحمله من جاذبية علمية واجتماعية ومهنية.

ويأتي ذلك في وقت يشهد فيه سوق العمل تحولات متسارعة واشتدادا في المنافسة على فرص العمل، ما يجعل قرار اختيار التخصص أكثر تعقيدا من مجرد النظر إلى معدل الطالب أو المكانة الاجتماعية للتخصص أو رغبة الأسرة. وفي الأردن، تزداد أهمية هذا النقاش في ظل بلوغ معدل البطالة الإجمالي 16.1% خلال الربع الثاني من عام 2026، ما يؤكد أن العلاقة بين التعليم وسوق العمل تحتاج إلى تخطيط طويل الأمد وقراءة واقعية.

ومن هنا، لا يقتصر السؤال على ما إذا كان الطب تخصصا مناسبا أم لا، وإنما يمتد إلى كيفية مساعدة الطالب على اختيار تخصصه وفق قدراته وميوله ومتطلبات المهنة ومستقبلها، بعيدا عن الضغط الاجتماعي والقرارات التقليدية.

ويرى التربوي والاستشاري فيصل تايه أن التعامل مع إقبال الطلبة على التخصصات الصحية يجب ألا يقوم على التخويف منها، كما لا ينبغي تقديمها باعتبارها الطريق الوحيد للنجاح. ويؤكد لـ«الرأي» أن الطب ليس مشكلة، والحلم بدراسته ليس مشكلة، وإنما المشكلة أن يتحول الطب إلى خيار اجتماعي تلقائي، أو أن يختزل مستقبل الطالب في اسم التخصص الذي سيدرسه، وكأن الحصول على الشهادة يعني تلقائيا الحصول على الوظيفة والاستقرار.

ويشير إلى أن سوق العمل لا يبحث اليوم عن حامل شهادة فقط، وإنما عن الكفاءة والتميز والقدرة على التطور وإضافة القيمة. فالطالب الذي يدخل كلية الطب أو أي تخصص صحي، ثم يستثمر خلال سنوات الدراسة في المعرفة والتخصص الدقيق والبحث العلمي والمهارات الرقمية واللغات والتواصل والتقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي، سيكون أكثر قدرة على المنافسة وصناعة الفرصة.

ويؤكد تايه أن التخصص المطلوب في سوق العمل اليوم قد لا يكون هو التخصص المطلوب بعد خمس أو عشر سنوات، لكن الإنسان القادر على التعلم والتكيف وتطوير مهاراته سيبقى أكثر قدرة على مواجهة تغيرات السوق، قائلا: «لم يعد كافيا أن نقول للطالب: ادرس تخصصا مطلوبا، وعلينا أن نعلمه كيف يصبح هو نفسه مطلوبا في سوق العمل».

ويرى أن الحديث عن التخصصات الصحية يجب ألا يحصر مفهوم الحقل الصحي في الطب وطب الأسنان والصيدلة، فالمنظومة الصحية الحديثة تقوم على مجموعة واسعة من التخصصات والمهن المتكاملة، من التمريض والعلوم الطبية المساندة والتأهيل والعلاج الطبيعي والتغذية وغيرها. ويساعد اتساع الخيارات على بناء وعي أكثر توازنا لدى الطلبة، بحيث لا يصبح الطب المقياس الوحيد للنجاح، ولا يتحول المعدل المرتفع إلى ضغط اجتماعي يدفع الطالب نحو تخصص لا يتناسب مع شخصيته وقدراته.

ويؤكد أن قيمة الإنسان لا يحددها اسم التخصص وحده، وإنما ما يصنعه الإنسان بهذا التخصص وما يضيفه إلى مهنته ومجتمعه، داعيا إلى إعادة النظر في التصورات الاجتماعية التي تجعل بعض التخصصات معيارا للنجاح والمكانة، فالمجتمعات الحديثة لا تبنى بمهنة واحدة أو تخصص واحد، وإنما بتكامل مختلف المعارف والمهارات والمهن.

ويشدد تايه على ضرورة انتقال الأسرة من دور «اختيار التخصص نيابة عن الطالب» إلى دور «مساعدة الطالب على اكتشاف ذاته وفهم خياراته». فكثير من الطلبة يتأثرون برغبة الأسرة أو الأصدقاء أو الصورة الاجتماعية للتخصص، بدلا من الانطلاق من أسئلة أساسية مثل: ماذا أحب؟ وما الذي أتقنه؟ وما طبيعة العمل الذي أستطيع الاستمرار فيه؟

ويؤكد أن التوجيه المهني يجب أن يبدأ مبكرا، وألا ينتظر نتائج الثانوية العامة، إذ ينبغي للمدرسة أن تساعد الطالب على معرفة قدراته وميوله والتعرف إلى المهن والتخصصات وفهم التحولات التي يشهدها سوق العمل. ويسهم الإرشاد المهني المبكر في تقليل القرارات العشوائية ومنح الطالب وقتا أطول لاكتشاف ذاته، بدلا من مواجهة قرار مصيري خلال أيام قليلة بعد إعلان النتائج.

ويرى تايه أن مسؤولية الاختيار لا تقع على الطالب وحده، وإنما هي مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمدرسة والجامعة والجهات المعنية بالتعليم والعمل وصانع القرار. كما أن معالجة الاختلال بين التعليم وسوق العمل لا تكون فقط بتغيير أسماء التخصصات أو تقليل أعداد القبول، وإنما بإعادة النظر في منظومة التعليم والتدريب وربط المعرفة الأكاديمية بالمهارات العملية.

ويدعو الجامعات إلى تعزيز الجانب التطبيقي وربط الطلبة ببيئات العمل الحقيقية، وتشجيع البحث العلمي والابتكار وريادة الأعمال وتعزيز المهارات الرقمية، حتى لا يكون الانتقال من الجامعة إلى سوق العمل مفاجئا. ويؤكد أن سوق العمل لا يحتاج فقط إلى عدد أكبر من الخريجين، وإنما إلى خريجين أكثر كفاءة وتميزا وإبداعا وقدرة على التطور.

وفيما يتعلق بسياسات القبول في التخصصات الصحية، يرى تايه أن تنظيم أعداد المقبولين ورفع الحدود الدنيا لبعض التخصصات ينبغي أن يُفهم في إطار تحقيق التوازن بين أعداد الخريجين واحتياجات المجتمع وسوق العمل، لا باعتباره حكما على قيمة المهنة أو مستقبلها. ويشدد على ضرورة أن ترافق هذه السياسات منظومة واضحة من المعلومات والإرشاد، حتى يفهم الطلبة والأسر أسبابها وأهدافها بعيدا عن الخوف والشائعات.

ويؤكد أن التخطيط الحقيقي للتعليم العالي يحتاج إلى بيانات دقيقة ومحدثة حول أعداد الطلبة والخريجين والوظائف والقطاعات الاقتصادية والمهن الناشئة، وربط سياسات القبول بسياسات التشغيل والتنمية الاقتصادية.

أما الدراسة خارج الأردن، فيرى تايه أنها قد تكون فرصة مهمة، لكنها ليست بالضرورة حلا لمشكلة المنافسة المحلية أو وسيلة للالتفاف على شروط القبول، مؤكدا ضرورة التأكد مسبقا من الاعتراف بالجامعة والتخصص، وإمكان معادلة الشهادة، ومتطلبات الترخيص المهني، والكلفة المالية، وطبيعة سوق العمل بعد التخرج، خصوصا في التخصصات الصحية.

ويرى تايه أن التخصص الصحي سيبقى خيارا مهما للطلبة، لكن النجاح فيه لن يتحدد باسم التخصص أو حجم المنافسة، وإنما بوعي الطالب واستعداده وقدرته على الاستثمار الحقيقي في نفسه. فالطالب الذي يختار الطب عن قناعة، ويدرك صعوبة الطريق، ويمتلك الاستعداد للتعلم والبحث والتخصص، يستطيع أن يصنع لنفسه موقعا مختلفا، كما يستطيع الطالب الذي يختار تخصصا صحيا آخر ويتفوق فيه ويطور مهاراته أن يحقق نجاحا أكبر من طالب اختار تخصصا أعلى مكانة اجتماعية لكنه لا يناسب قدراته.

ويؤكد أن الرسالة التربوية لا ينبغي أن تكون «اختر تخصصا يضمن لك الوظيفة»، وإنما «اختر بوعي، وتعلم بجدية، وابنِ مهاراتك، واجعل من تخصصك قيمة مضافة». ومع تطور الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، تزداد أهمية التفكير النقدي وحل المشكلات والتواصل والعمل الجماعي والقدرة على التعلم المستمر.

ويقول تايه: «لا تجعلوا اختيار التخصص نهاية التفكير، بل اجعلوه بداية التفكير. فالشهادة تفتح الباب، لكن الكفاءة هي التي تبقي الباب مفتوحا، والتميز هو الذي يجعل الآخرين يبحثون عنك».

وتشير الأرقام إلى أن عدد خريجي كليات الطب في الأردن بلغ 4,454 طبيبا خلال عام 2025، مقابل 1,040 مقعدا متاحا لبرامج الإقامة والاختصاص، بفارق بلغ 3,414 خريجا لم تتوفر لهم مقاعد اختصاص محلية في ذلك العام. كما يبلغ عدد الطلبة الذين يدرسون الطب حاليا نحو 23 ألفا داخل الأردن و20 ألفا في الخارج، أي نحو 43 ألف طالب طب، وفق أرقام نقابة الأطباء لعام 2026.

وهكذا، فإن إصلاح ثقافة الاختيار الجامعي يبدأ بحماية حلم الطالب دون تحويله إلى قيد، وفتح أبواب الخيارات أمامه دون تجاهل واقع السوق، والانتقال من صناعة طالب يبحث عن وظيفة إلى بناء إنسان قادر على صناعة مستقبله مهما تغيرت التخصصات.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }