محليات > العاصمة

من الزيارة المفاجئة إلى التواصل الإلكتروني.. كيف غيّرت الحياة الحديثة عادات الأردنيين؟

ضغوط الحياة جعلت الزيارة بحاجة إلى موعد وترتيب مسبق

مختصون: المطلوب ألا تجعل التكنولوجيا الشباب ينسون أهلهم وأقاربهم
اللقاء المباشر لا تعوضه وسائل التواصل مهما تطورت

حين يستعيد سالم العلي ذكريات الزيارات بين الأقارب والجيران في الماضي، لا يتوقف عند شكل الضيافة أو عدد الحاضرين، بل عند التفاصيل البسيطة التي كانت تمنح العلاقات الاجتماعية معناها الحقيقي؛ فزيارة من دون موعد مسبق، وفنجان قهوة، وسؤال صادق عن الأحوال، كانت كفيلة بالحفاظ على دفء العلاقات واستمرارها.
أما اليوم، فيرى العلي أن المشهد تغيّر، إذ جعلت ضغوط العمل وكثرة الالتزامات وتسارع وتيرة الحياة وارتفاع تكاليف المعيشة الزيارة نفسها بحاجة إلى وقت وترتيب مسبق، فيما باتت بعض المناسبات ترتبط بأعباء مالية لم تكن حاضرة بهذا الحجم في السابق.
وأجمع مختصون ومواطنون حول تغيّر العادات الاجتماعية في ظل التحولات الاقتصادية وتسارع نمط الحياة وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، على أن العادات لا تثبت في أشكالها بقدر ثباتها في قيمها وغاياتها، مؤكدين أن الحفاظ على الترابط الاجتماعي لا يعني التمسك بجميع تفاصيل الممارسات التقليدية، وإنما صون قيم التواصل والتكافل وصلة الرحم. ويرى المتخصص في القيادة التربوية والأصول الدكتور محمد الزبون أن تغيّر العادات الاجتماعية يمثل جزءًا من طبيعة تطور المجتمعات، التي تتفاعل باستمرار مع المتغيرات الاقتصادية والتكنولوجية والاجتماعية.
ويقول إن العادات التي أرستها الأجيال السابقة جاءت نتاجًا للظروف البيئية والمعيشية التي عاشتها، ولذلك فإن التغير في هيكل الاقتصاد وساعات العمل وطبيعة الحياة وتوزيع السكان يجعل من الصعب استمرار جميع الممارسات الاجتماعية بالصورة ذاتها.
ويؤكد الزبون أن تعديل العادات لا يعني بالضرورة التخلي عن قيمتها، بل إن إعادة صياغة أساليب ممارستها قد تكون وسيلة للحفاظ على جوهرها، من خلال التبسيط وتقليل الأعباء، بما يضمن استمرار قيم التواصل والتكافل، من دون أن تتحول المناسبات إلى التزامات مرهقة. من جانبه، يربط الخبير الاقتصادي الدكتور حسام عايش التغير الذي يطرأ على العادات الاجتماعية بالواقع الاقتصادي، مشيرًا إلى ما يمكن وصفه بـ'اقتصاد المناسبات»، في ظل ارتباط شكل المشاركة الاجتماعية بمستويات الدخل والقدرة على الإنفاق وارتفاع تكاليف المعيشة.
ويبين أن كثرة المناسبات وارتفاع كلفها، إلى جانب انتشار مظاهر التفاخر، أسهما في تحويل بعض العادات من وسيلة للتواصل والتكافل إلى مصدر ضغط مالي على الأسر.
ويحذر عايش من أن السعي إلى الحفاظ على صورة اجتماعية معينة قد يدفع بعض الأفراد إلى الاقتراض أو تأجيل تلبية احتياجات أساسية، لمجرد مواكبة مستوى من الإنفاق تفرضه المنافسة الاجتماعية أو الصور التي تعكسها وسائل التواصل الاجتماعي.
ويشير إلى أن الفارق بين العادة التي تحمل قيمة حقيقية وتلك التي تحولت إلى مجرد مظهر، يمكن تلمسه في بساطة الممارسة وصدقها؛ فالموقف الإنساني، مهما كان بسيطًا، قد يحمل معنى أكبر من إنفاق مبالغ فيه، هدفه إظهار صورة اجتماعية معينة.
ومع ضيق الوقت واتساع المسافات، أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي والمكالمات المرئية خيارًا حاضرًا في حياة كثيرين، لما تتيحه من إمكانات للسؤال والاطمئنان وتبادل التهاني وأداء بعض الواجبات الاجتماعية بسرعة ومن دون تكاليف كبيرة.
غير أن الزبون يرى أن هذه الوسائل، رغم أهميتها، لا تستطيع أن تكون بديلًا كاملًا عن التواصل الإنساني المباشر، لأن اللقاء الحقيقي يحمل مشاعر وتفاصيل لا يمكن للشاشة نقلها بالقدر ذاته.
ويتفق عايش معه، معتبرًا أن التكنولوجيا تسهم في تجاوز عوائق الوقت والتنقل، إلا أن تحولها إلى الوسيلة الوحيدة للعلاقات الاجتماعية قد يؤدي إلى إضعاف التواصل الفعلي، خصوصًا إذا اختُزلت العلاقات في رسائل أو تفاعلات سريعة.
ويعكس الشاب عمر الزعبي هذا الواقع، إذ يرى أن العمل والدراسة وتعدد الالتزامات جعلت التواصل الإلكتروني ضرورة، لا سيما مع الأشخاص الذين تفصلهم المسافات، مؤكدًا أن مكالمة قصيرة تبقى أفضل من انقطاع العلاقة، فيما يظل اللقاء المباشر أكثر قدرة على تعزيز الشعور بالقرب.
وبينما تتغير أشكال التواصل والعادات، يبرز الحديث عما ينبغي الحفاظ عليه وما يمكن تغييره بما يتناسب مع متطلبات الحاضر.
ويرى الزبون أن المجتمعات بحاجة إلى قراءة واعية للمتغيرات، بما يمكّنها من الحفاظ على قيمها وهويتها، من دون أن تنجرف نحو تقليد كل ما يطرأ عليها من أنماط وسلوكيات جديدة.
أما سالم العلي، فيلخص الفكرة انطلاقًا من تجربته، بالقول إن الشباب ليسوا مطالبين بأن يعيشوا بالطريقة التي عاش بها الجيل السابق، لكن المطلوب ألا تجعلهم التكنولوجيا ينسون أهلهم وأقاربهم.
وفي ظل واقع اقتصادي واجتماعي متغير، تبدو الحاجة اليوم أكثر إلحاحًا للحفاظ على روح العادات بدلًا من التمسك بأشكالها؛ فزيارة قصيرة أو مشاركة بسيطة أو مكالمة صادقة قد تؤدي الغاية ذاتها من دون إرهاق مالي أو زمني، لتبقى العادات جسرًا يجمع الناس، لا عبئًا يثقل حياتهم.
أبقيت التعديلات في إطار **التدقيق اللغوي والتحرير النحوي وعلامات الترقيم** دون إعادة صياغة المحتوى أو تغيير نبرة المادة.