الأردن يوسع حضوره في الأسواق ويعزز دوره التجاري إقليمياً
تجاوزت قيمة الصادرات التي أصدرتها غرفة تجارة عمان من خلال شهادات المنشأ حاجز المليار دينار خلال الأشهر الثمانية الأولى من العام الحالي، في مؤشر يعكس استمرار النشاط التجاري الخارجي للمملكة واتساع نطاق التعامل مع الأسواق الإقليمية والدولية، رغم التحديات والظروف الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة.
وحسب معطيات إحصائية للغرفة، وصلت قيمة الصادرات من خلال شهادات المنشأ التي أصدرتها خلال الفترة ذاتها إلى 1.031 مليار دينار، مقابل 854 مليون دينار للفترة نفسها من العام 2025، فيما ارتفع عدد شهادات المنشأ إلى 30,154 شهادة مقارنة مع 26,715 شهادة خلال الفترة نفسها من العام الماضي، وبنمو نسبته 12.9 بالمئة.
وتشير هذه الأرقام إلى نمو واضح في حجم التعاملات التجارية الخارجية، بالتوازي مع توسع قاعدة الشركات والعمليات التصديرية، فيما تكشف قراءة تفاصيل البيانات عن تنوع في الأسواق وطبيعة الصادرات، بين منتجات أردنية وأخرى يعاد تصديرها عبر المملكة.
ويؤكد عضو مجلس إدارة غرفة صناعة عمان المهندس موسى الساكت أن ارتفاع قيمة الصادرات وعدد شهادات المنشأ يعكس تحسناً في حركة التجارة الخارجية واتساع قاعدة الشركات والعمليات التصديرية، لافتاً إلى أن الأهم في قراءة هذه الأرقام هو أن نمو القيمة جاء أسرع من نمو عدد الشهادات، ما يشير إلى ارتفاع متوسط قيمة العملية التصديرية، وليس مجرد زيادة في عدد الشحنات.
ويوضح الساكت أن المؤشر يعكس نشاطاً تجارياً إيجابياً، إلا أنه لا يعني بالكامل نمواً في الإنتاج الأردني، باعتبار أن بيانات غرفة التجارة تشمل إعادة تصدير السلع الأجنبية إلى جانب المنتجات الصناعية والزراعية وغيرها، الأمر الذي يستدعي قراءة مكونات الصادرات إلى جانب قيمتها الإجمالية.
ويرى أن تنوع الأسواق التي تصل إليها الصادرات الأردنية يمثل مؤشراً إيجابياً، خصوصاً مع وجود العراق والإمارات والسعودية ضمن أبرز الوجهات، بما يعكس قدرة نسبية جيدة على تنويع الأسواق وتقليل الاعتماد على سوق واحد، مشيراً إلى أن اختلاف طبيعة هذه الأسواق مهم في قراءة الأداء التجاري؛ فالعراق والإمارات والسعودية تمثل أسواقاً إقليمية قريبة وذات روابط تجارية قوية مع الأردن، في حين تمثل سويسرا مؤشراً أكثر أهمية من ناحية القدرة على الوصول إلى سوق أوروبي ذي متطلبات مرتفعة وقيمة تصديرية عالية.
وبحسب الساكت، فإن بيانات النصف الأول من العام الحالي أظهرت وصول الصادرات إلى العراق إلى نحو 323 مليون دينار، وسويسرا إلى 92 مليوناً، والإمارات إلى 57 مليوناً، والسعودية إلى 43 مليوناً، وهو ما يعكس اتساع الحضور الأردني في مجموعة متنوعة من الأسواق.
ويشير إلى أن المؤشرات تعكس زخماً واضحاً في التجارة الخارجية الأردنية وتحسناً في الانتشار الجغرافي للصادرات، إلا أن التحدي والفرصة في الوقت ذاته يتمثلان في تحويل هذا النمو من تجارة وإعادة تصدير إلى نمو مستدام في الصادرات ذات القيمة المضافة العالية والإنتاج الأردني، مبيناً أن هذه الصورة تظهر بصورة أدق في بيانات غرف الصناعة.
من جهته، يرى النائب الأول لرئيس غرفة تجارة الأردن جمال الرفاعي أن الزيادة المضطردة في عدد شهادات المنشأ الصادرة عن غرف التجارة تشير إلى ازدياد حجم التجارة الأردنية إلى الخارج، موضحاً أن ارتفاع حجم التجارة يرتبط، من بين عوامل أخرى، بالزيادة الكبيرة في تصدير الخضار والفواكه نتيجة الظروف الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة.
ويضيف الرفاعي أن تجارة الترانزيت عبر الأردن شهدت أيضاً زيادة ملحوظة خلال الفترة الأخيرة، في ظل الظروف الإقليمية وما رافقها من إغلاقات وتحديات في بعض موانئ الخليج، الأمر الذي انعكس على حركة خطوط الإمداد وسلاسة التوريد، وصب في صالح ميناء العقبة الذي عزز دوره كوجهة رئيسية لحركة البضائع المتجهة إلى أسواق المنطقة.
ويؤكد أن هذه التطورات عززت دور الأردن كنقطة ترانزيت ونقطة تصدير للبضائع المتجهة إلى العراق وسوريا ودول الخليج العربي، بما يعزز مكانة المملكة كممر تجاري إقليمي، ويمنح القطاع التجاري فرصاً جديدة للاستفادة من موقع الأردن الجغرافي وقدرته على توفير مسارات بديلة لحركة التجارة وسلاسل الإمداد.
ويعتبر الخبير الاقتصادي إياس الشعيبي أن تجاوز قيمة صادرات غرفة تجارة عمان حاجز المليار دينار خلال ثمانية أشهر، بالتزامن مع إصدار أكثر من 30 ألف شهادة منشأ، يمثل مؤشراً إيجابياً يستحق التوقف عنده، باعتباره يعكس اقتصاداً تجارياً نشطاً وقدرة على التعامل مع التقلبات الإقليمية والاستمرار في النشاط رغم الظروف المحيطة.
ويشير الشعيبي إلى أن ارتفاع قيمة الصادرات بوتيرة تفوق نمو عدد شهادات المنشأ يعني أن كثافة المعاملات التجارية وقيمتها ارتفعت، بما يشير إلى أن متوسط قيمة الصفقات أصبح أكبر، سواء نتيجة ارتفاع قيمة السلع التي يعاد تصديرها أو تحسن القيمة التجارية للعمليات التصديرية، وهو ما يعد مؤشراً إيجابياً في حركة التجارة الخارجية.
وفي الوقت ذاته، يرى أن قراءة الرقم الإجمالي تصبح أكثر أهمية عند النظر إلى مكوناته، إذ إن جزءاً من هذا النشاط يرتبط بإعادة التصدير والتجارة العابرة، في حين يمثل الجزء الآخر منتجات وطنية زراعية وصناعية، مؤكداً أن الدينار الناتج عن التصنيع والإنتاج المحلي يترك أثراً اقتصادياً أعمق من الدينار العابر، نظراً لما يولده من قيمة مضافة وفرص عمل ونشاط في قطاعات مرتبطة بالإنتاج.
ويعتبر الشعيبي أن وجود هذا النشاط التجاري والترانزيتي الكبير يمثل فرصة اقتصادية للأردن، ليس فقط من حيث الإيرادات والحركة التجارية، وإنما من خلال البناء عليه وتحويل جزء أكبر منه إلى نشاط إنتاجي مقيم داخل المملكة، بما يزيد التصنيع المحلي ويرفع القيمة المضافة ويعظم الأثر الاقتصادي للصادرات.
وعند قراءة الأسواق، يؤكد الشعيبي أهمية عدم الاكتفاء بالنظر إلى قيمة الصادرات أو عدد الدول، وإنما دراسة كثافة التعامل وطبيعة الشحنات ومتوسط قيمتها، موضحاً أن ارتفاع عدد شهادات المنشأ الموجهة إلى الأسواق الخليجية، ولا سيما الإمارات والسعودية، يعكس قاعدة واسعة ونشطة من الشركات الأردنية، بما فيها الشركات الصغيرة والمتوسطة، التي تتعامل بصورة مستمرة مع تلك الأسواق.
ويشير إلى أن هذا النوع من التعاملات المتكررة يمثل نقطة قوة، لأنه يعكس اتساع قاعدة الشركات المصدرة واستقرار حضورها في الأسواق الخليجية، في حين أن السوق العراقي، الذي يستحوذ على الحصة الأكبر من قيمة الصادرات، يمثل سوقاً استراتيجياً مهماً للأردن، وإن كانت طبيعة التعامل فيه مختلفة من حيث ارتفاع قيمة بعض الشحنات مقارنة بعدد شهادات المنشأ.
كما يلفت إلى أهمية السوق السويسرية، التي تظهر فيها قيمة تصديرية مرتفعة مقارنة بعدد محدود من شهادات المنشأ، موضحاً أن طبيعة هذه الصادرات ترتبط في جانب منها بالذهب، الذي يتجه إلى سويسرا للاستفادة من قدرات المصافي المتخصصة هناك وإعادة معالجته وإنتاج السبائك، معتبراً أن وجود الأردن ضمن هذه الدورة التجارية الدولية يمثل مؤشراً إيجابياً على نشاط المملكة في التجارة الإقليمية والدولية.
وتظهر بيانات غرفة تجارة عمان أن العراق تصدر قائمة الدول المستوردة حسب القيمة خلال الأشهر الثمانية الأولى من العام الحالي، بقيمة بلغت 415 مليون دينار من خلال 1,912 شهادة منشأ، تلاه سويسرا بقيمة 102 مليون دينار عبر 26 شهادة، ثم الإمارات العربية المتحدة بنحو 78 مليون دينار من خلال 6,152 شهادة، والسعودية بقيمة 72 مليون دينار عبر 5,673 شهادة، ثم مصر بقيمة 54 مليون دينار من خلال 732 شهادة.
وتكشف هذه الأرقام عن تنوع واضح في طبيعة الأسواق، إذ تجمع الصادرات بين أسواق إقليمية ذات تعاملات واسعة ومتكررة، وأسواق أخرى تستقبل شحنات ذات قيم مرتفعة، ما يعكس تعدد أدوار الأردن في منظومة التجارة الإقليمية والدولية.
أما من حيث طبيعة المنتجات، فقد بلغت قيمة المنتجات الأجنبية نحو 493 مليون دينار، فيما بلغت قيمة المنتجات الزراعية 153 مليون دينار، والمنتجات الصناعية نحو 119 مليون دينار، والمنتجات العربية نحو 118 مليون دينار، فيما توزعت القيمة المتبقية على منتجات أخرى.
وتستخدم شهادة المنشأ في التجارة الدولية لإثبات أن البضائع الموجودة في شحنة معينة قد تم إنتاجها أو تصنيعها أو معالجتها في بلد محدد، وتستفيد منها الجهات الجمركية في التحقق من بلد منشأ السلع وتحديد معاملتها الجمركية ومدى أهليتها للاستفادة من التعريفات الخاصة.
وتصدر غرفة تجارة عمان شهادات المنشأ للمنتجات الزراعية والحيوانية والثروات الطبيعية الأردنية الخام، إضافة إلى البضائع الأجنبية التي يعاد تصديرها والبضائع الأجنبية المشتراة من السوق المحلية ضمن شروط محددة، كما تصدر شهادات المنشأ للمنتجات الصناعية الأردنية بحسب طلب المصدر، استناداً إلى الوثائق المعتمدة وإثبات منشأ المنتج الأردني.
وتعكس أرقام الأشهر الثمانية الأولى من العام الحالي، في مجملها، حيوية واضحة في حركة التجارة الخارجية الأردنية واتساع شبكة الأسواق التي تتعامل معها المملكة، فيما تبرز أمام القطاع فرصة أكبر لتحويل هذا الزخم التجاري واللوجستي إلى قاعدة أوسع من الإنتاج المحلي، وزيادة الصادرات ذات القيمة المضافة، بما يعزز حضور المنتج الأردني ويضاعف الأثر الاقتصادي للتجارة على الاقتصاد الوطني.
وفي الوقت الذي يواصل فيه الأردن ترسيخ موقعه كبوابة تجارية ولوجستية للمنطقة، فإن استمرار نمو الصادرات وتنوع الأسواق يمكن أن يشكل أرضية مهمة للانتقال من مجرد زيادة حركة التجارة إلى تعميق المحتوى المحلي في هذه الحركة، بحيث يصبح كل توسع في التجارة الخارجية فرصة جديدة للإنتاج والتصنيع والنمو داخل المملكة.