البداية الحقيقية تكون من الاعتماد على النفس والإيمان بأن الشهادة الجامعية مهمة لكنها ليست نهاية الطريق ولم تعد وحدها ضمانة للحصول على وظيفة فأسواق العمل تتغير بسرعة والوظائف التقليدية تتراجع ومهارات جديدة تظهر كل يوم وهذا يفرض على الشباب تطوير قدراتهم باستمرار والجمع بين المعرفة الأكاديمية والمهارات التقنية والمهنية والحرفية والقدرة على التعلم والتكيف حتى يصبح أمام الإنسان أكثر من مسار للعمل والإنتاج بدلا من حصر مستقبله في وظيفة واحدة ينتظرها سنوات.
لكن تطوير المهارات لا يعني أن نصنع جيلا متشابها في التفكير والقدرات فالمجتمع القوي لا يبنى بنسخ متكررة وإنما بأفراد يمتلك كل واحد منهم شخصيته وموهبته وطريقته في التفكير ومجاله الذي يستطيع أن يقدم فيه إضافة حقيقية وهنا تظهر أهمية التعليم في اكتشاف قدرات الطلبة وليس فقط منحهم الشهادات لأن النجاح الحقيقي يبدأ عندما يعرف الإنسان أين يمكن أن يبدع وكيف يحول قدرته إلى فرصة وقيمة اقتصادية واجتماعية.
وللأسرة دور أساسي في هذه المعادلة لأن ثقافة العمل تبدأ من البيت، وربط النجاح لسنوات طويلة بالوظيفة الحكومية أو بالمسمى الوظيفي جعل بعض المهن والحرف أقل جاذبية رغم أن السوق يحتاج إليها ويمنح أصحابها فرصا حقيقية ولذلك فإن احترام جميع أشكال العمل وتشجيع الأبناء على اكتشاف مواهبهم وتعلم المهن والمهارات منذ سن مبكرة يفتح أمامهم أبوابا أوسع ويجعلهم أكثر استقلالا وثقة في بناء مستقبلهم.
كما يمتلك المجتمع مخزونا كبيرا من الخبرات التي يمكن تحويلها إلى فرص تدريب ومعرفة فالحرفي والمهندس والطبيب والمعلم ورجل الأعمال وصاحب المشروع وكل صاحب خبرة يستطيع أن يساهم في نقل معرفته إلى الشباب وعندما تتحول الخبرة إلى تدريب عملي وتوجيه حقيقي تضيق الفجوة بين ما يتعلمه الشباب وما يحتاجه سوق العمل.
والقطاع الخاص شريك رئيسي في مواجهة البطالة لأن نجاح الشركات لا يقاس بالأرباح فقط وإنما بقدرتها أيضا على الاستثمار في الإنسان وتطوير مهارات العاملين وفتح المجال أمام الشباب للتدريب والتعلم والترقي فالإنسان ليس عبئا ماليا بل أصل من أصول النجاح والاستثمار فيه ينعكس على الإنتاج والاستدامة.
وفي زمن الذكاء الاصطناعي تصبح الحاجة أكبر إلى إعادة تأهيل الإنسان لا الاستغناء عنه فالتكنولوجيا ستغير طبيعة وظائف كثيرة لكنها ستخلق أيضا فرصا جديدة والتحدي الحقيقي يكمن في إدارة هذا التحول بطريقة تجعل التكنولوجيا أداة لرفع قدرات الإنسان لا سببا لإقصائه من سوق العمل.
وتنسجم هذه الرؤية مع التوجيهات الملكية التي تضع الشباب وتمكينهم في مقدمة الأولويات الوطنية ضمن مسار التحديث الاقتصادي وبناء الإنسان الأردني القادر على المنافسة والإنتاج والمبادرة فالدولة توفر البيئة والسياسات والمؤسسات التعليمية تطور المعرفة والأسرة تبني ثقافة العمل والمجتمع ينقل الخبرة والشركات تفتح أبواب التدريب والتشغيل بينما تبقى المسؤولية الأولى على الفرد في تطوير نفسه والبحث عن فرصته وصناعة مساره.
وعندما تتكامل هذه الأدوار لن يبقى الشباب مجرد أرقام في قوائم الباحثين عن العمل بل سيتحولون إلى طاقة وطنية منتجة قادرة على صناعة الفرص وبناء مستقبل أكثر قوة واستقرارا لأن البطالة مسؤولية وطن تبدأ بالاعتماد على النفس وتنتهي بمجتمع يؤمن بأن العمل قيمة وأن الإنسان هو الاستثمار الأهم.