في تطور يعكس تصاعد المواجهة بين إسرائيل والمؤسسات الدولية، وجّه الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش تحذيراً قانونياً صريحاً إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ملوحاً باللجوء إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي على خلفية اقتحام قوات الأمن الإسرائيلية مجمعاً تابعاً لوكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا» في كفر عقب شمال القدس الشرقية المحتلة، إلى جانب إجراءات إسرائيلية أخرى استهدفت منشآت تابعة للوكالة.
وجاء التحذير في رسالة رسمية حملت نبرة غير مسبوقة، وفق ما نقلته صحيفة «يسرائيل هيوم» العبرية، فيما رد السفير الإسرائيلي لدى الأمم المتحدة داني دانون بتصعيد حاد، زاعماً أن إسرائيل «لن تتأثر بالتهديدات»، وأنها صاحبة السيادة في القدس وستتصرف وفقاً لقوانينها وقراراتها.
وتعود جذور الأزمة إلى الخامس والعشرين من آب الماضي، عندما نفذت السلطات الإسرائيلية عملية اقتحام لمجمع قلنديا للتدريب التابع للأونروا في كفر عقب شمال القدس المحتلة، بتوجيه من نتنياهو واستناداً إلى تشريعات إسرائيلية تهدف إلى تقييد نشاط الوكالة داخل المناطق الخاضعة لسيطرتها.
وبحسب الرواية الإسرائيلية، فإن المجمع مقام على أرض يدعي الصندوق القومي اليهودي «كيرن كييمت ليسرائيل» ملكيتها، وأن الأونروا لا تمتلك حقوقاً قانونية فيها، مشيرة إلى تسليم الموقع لبلدية القدس التي شرعت في إجراءات لتحويله إلى مجمع تعليمي ومجتمعي باستثمار أولي يتجاوز 40 مليون شيكل.
في المقابل، تؤكد الأونروا، التي أدارت المركز لأكثر من سبعة عقود، أن المنشأة تابعة للأمم المتحدة وتتمتع بالحصانة والحماية بموجب الاتفاقيات الدولية، وأن إسرائيل لا تملك صلاحية الاستيلاء عليها أو اقتحامها، معتبرة أن ما جرى يشكل انتهاكاً صارخاً لالتزامات إسرائيل الدولية.
وفي رسالته إلى نتنياهو، استند غوتيريش إلى المادة 30 من الاتفاقية العامة المتعلقة بامتيازات وحصانات الأمم المتحدة، التي تنص على إحالة النزاعات المتعلقة بتفسير أو تطبيق الاتفاقية إلى محكمة العدل الدولية. وقال إن عدم اتخاذ إسرائيل الإجراءات اللازمة للوفاء بالتزاماتها بموجب الاتفاقية قد يؤدي إلى نشوء نزاع قانوني بين الأمم المتحدة وإسرائيل بشأن تفسيرها أو تطبيقها.
ورغم أن الأمين العام لم يباشر فوراً إجراءات الإحالة إلى المحكمة، فإنه وجّه تهديداً قانونياً واضحاً باللجوء إلى محكمة العدل الدولية في حال استمرار إسرائيل في انتهاك التزاماتها تجاه منشآت الأمم المتحدة وموظفيها.
كما أبلغ رئيسي مجلس الأمن والجمعية العامة بمضمون رسالته، في خطوة تعكس توجهاً لحشد موقف دولي داعم للأمم المتحدة.
وأدان غوتيريش بشدة ما وصفه بـ«الإجراءات غير المقبولة»، مشيراً إلى أن القوات الإسرائيلية دخلت المركز من دون موافقة الأمم المتحدة، وأخضعت الموظفين للتفتيش، ونفذت أعمالاً داخل المنشأة من دون إذن، ما أدى إلى تعطيل البرامج التدريبية.
وأكد أن عملية الاقتحام الأخيرة لم تكن حادثة معزولة، مشيراً إلى أنها المرة الخامسة التي يتم فيها اقتحام المركز منذ أيار الماضي، ومشدداً على أن الأمم المتحدة لم تتنازل عن حصانة الموقع، وأن موظفي الأونروا يتمتعون بالحصانة القانونية في ما يتعلق بأعمالهم الرسمية.
وأشار الأمين العام أيضاً إلى سلسلة من الإجراءات السابقة التي استهدفت منشآت تابعة للأونروا، من بينها هدم منشأة للوكالة في حي الشيخ جراح في القدس المحتلة خلال كانون الثاني الماضي، إلى جانب قطع الخدمات عن منشآت أخرى، محذراً من أن هذه الإجراءات غير مقبولة وتشكل انتهاكاً لالتزامات إسرائيل الدولية.
وأكد غوتيريش أن الأمم المتحدة تحتفظ بحقها في المطالبة بتعويضات عن الأضرار التي لحقت بممتلكاتها ومنشآتها جراء الإجراءات الإسرائيلية.
وفي رد إسرائيلي حاد، قال السفير داني دانون إن إسرائيل «لن تتنازل عن سيادتها في القدس، ولن تغير مسارها بسبب التهديدات»، مدعياً أن «الأونروا فقدت حقها في الادعاء بالحصانة»، في موقف يعكس إصرار الحكومة الإسرائيلية على مواصلة إجراءاتها ضد الوكالة الأممية.
وتأتي هذه التطورات في ظل تصاعد الضغوط الدولية على إسرائيل بسبب تعاملها مع المؤسسات والوكالات التابعة للأمم المتحدة، إذ إن اللجوء إلى محكمة العدل الدولية لا يعني فرض عقوبات فورية، لكنه قد يفتح مساراً قانونياً وسياسياً جديداً ضد إسرائيل.
وفي حال أصدرت المحكمة حكماً ضد إسرائيل، فقد يشكل ذلك أساساً لتحركات إضافية داخل مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة، أو لاتخاذ إجراءات منفردة من قبل دول وهيئات دولية، فضلاً عن تعزيز مطالبات الأمم المتحدة بالتعويض عن الأضرار التي لحقت بممتلكاتها.
كما يمكن أن يوفر أي حكم قضائي في هذا السياق سابقة قانونية مهمة لمواجهة إجراءات إسرائيلية مستقبلية تستهدف إخلاء أو إغلاق أو الاستيلاء على منشآت تابعة للأونروا أو غيرها من مؤسسات الأمم المتحدة في القدس والأراضي الفلسطينية المحتلة.