خبراء: الرقمنة تعزز كفاءة الخبرة القضائية
دخلت منظومة الخبرة القضائية في المحاكم النظامية مرحلة التطوير مع صدور النظام الجديد.
ووضع النظام إطاراً واضحاً لتسمية الخبراء واعتمادهم ومتابعة أدائهم وتقييمه، مستنداً إلى أدوات رقمية تعزز النزاهة والحياد والشفافية، وتسهم في تسريع إنجاز القضايا.
ويشمل التحول الرقمي مختلف مراحل إجراءات الخبرة، بدءاً من اعتماد الخبراء وإدراجهم في النظام المحوسب واختيارهم وفق نظام الدور، مروراً بمتابعة المدد القانونية لتقديم تقارير الخبرة والاعتراض عليها، وانتهاءً بتحديد الأجور وإيداعها في صندوق المحكمة وصرفها بموجب قرار قضائي.
وأكد خبراء قانونيون، في تصريحات إلى «الرأي»، أن رقمنة إجراءات الخبرة القضائية ترفع كفاءة العمل، وتحد من التدخل البشري، وتقلل الوقت والجهد، مع بقاء المحكمة صاحبة القرار النهائي في تقدير أعمال الخبير وتقريره.
ويقول المستشار القانوني صخر خصاونة إن اعتماد الأدوات الرقمية في اختيار الخبراء وإدارة ملفات الخبرة يمثل نقلة نوعية في العمل القضائي، لما يوفره من آليات أكثر دقة ووضوحاً في توزيع المهام ومتابعة الإجراءات، ويحد من احتمالات التدخل أو تعارض المصالح.
ويؤكد المحامي شامان عليان الزامل أن التحول الرقمي يسهم في تنظيم إجراءات الخبرة وتسريعها، مشيراً إلى أن الخبير يؤدي دوراً فنياً استشارياً، ولا يتحول إلى سلطة مستقلة عن المحكمة، التي تملك تقدير تقريره واتخاذ ما تراه مناسباً بشأنه.
ويبين الناطق الإعلامي باسم وزارة العدل، نزار الخرابشة، أن نظام خبرة المحاكم النظامية رقم (48) لسنة 2026 حدد آلية تسمية الخبراء ومتابعة أدائهم ومراقبتهم وتقييمهم.
وأوضح أن المادة (18) من النظام تلزم المحاكم بتعيين الخبير وفق نظام الدور، من بين الخبراء المسجلين في الجدول المخصص لنوع الخبرة، وضمن دائرة اختصاص محكمة الاستئناف. ويجوز للمحكمة الانتقال إلى الخبير التالي في الدور في حال اعتذار الخبير، أو اعتراض أحد أطراف الدعوى على تعيينه، أو توافر سبب مبرر تقبله المحكمة.
وأضاف أنه يجوز للمحكمة، في حالات مبررة، تعيين خبير من دائرة استئناف أخرى، فيما تتولى وحدة شؤون الخبرة، المنشأة في المحاكم التي يحددها الوزير وفقاً للمادة (17)، متابعة سير ملفات الخبرة والمهل الزمنية المحددة لتقديم التقارير والاعتراض عليها، إلى جانب دعوة الخبير لمناقشته.
وفي قراءة قانونية لهذا التوجه، يرى الخصاونة أن الاختيار الآلي عبر الخوارزميات يحد من التدخل البشري ويقلل احتمالات تعارض المصالح، فيما يرى الزامل أن تفعيل نظام الدور الآلي يمثل خطوة إيجابية لتحقيق توزيع أكثر عدالة للمهام بين الخبراء.
ويوضح الزامل أن التواصل مع الخصوم قد يكون ضرورياً في بعض الدعاوى التي تقتضي طبيعتها ذلك، ما دام يتم ضمن إطار واضح وإجراءات موثقة.
وحول آلية اعتماد الخبراء، يوضح الناطق الاعلامي الخرابشة أن العملية تتم لدى وزارة العدل وفق إجراءات تنظيمية تبدأ بعرض الطلب على لجان فنية مختصة تتولى التحقق من مؤهلات المتقدم وخبرته وتخصصه. وفي حال استيفاء شروط ومعايير الاعتماد، يعتمد الخبير رسمياً من قبل مجلس تنظيم شؤون الخبرة، بناءً على توصية اللجنة المختصة.
وعقب اعتماد الخبير، يدرج اسمه في جدول الخبراء لدى المحكمة عبر نظام «ميزان»، وهو النظام المحوسب المعتمد لإدارة الدعاوى والإجراءات القضائية في المحاكم.
ويؤكد الخرابشة أن عضوية الخبراء تخضع لضوابط صارمة، تشمل إمكانية إيقاف الخبير أو شطبه من جدول الخبراء المعتمدين بقرار صادر عن مجلس تنظيم شؤون الخبرة، استناداً إلى أحكام القانون. ويتم تحديث النظام المحوسب فور صدور القرار واستكمال الإجراءات القانونية المقررة.
وفي حال قيام الخبير بتصويب أوضاعه، يوضح الخرابشة أن مجلس تنظيم شؤون الخبرة يتخذ قراراً بإعادته إلى السجل وفقاً للأصول.
من جانبه، يقول المستشار القانوني الخصاونة إن اختيار الخبير المتخصص يتم من خلال وسائل معتمدة للتحقق من كفاءته، وبالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة، مشيراً إلى أن اللجوء إلى الوسائل التقليدية يقتصر على الحالات التي لا تتوافر فيها تخصصات أو خبرات نادرة على المنصة الرقمية، أو يتعذر الوصول إليها إلكترونياً.
ويبين أن نظام التقييم السنوي للخبراء يستند إلى معايير قانونية وموضوعية، باعتبار أن الخبرة القضائية تشكل جزءاً أساسياً من عناصر الدعوى وإجراءً خاضعاً للرقابة. كما تخضع قواعد اختيار الخبير ورده للأحكام ذاتها المطبقة على رد القضاة، مع احتفاظ الخصوم بحقهم في تقديم الملاحظات والدفوع على التقرير.
وفي السياق ذاته، يرى الزامل أن اشتراط التجديد السنوي يمثل إجراءً تنظيمياً مهماً يهدف إلى ضمان الالتزام بنظام الدور وتحقيق التوزيع العادل للمهام بين الخبراء، موضحاً أن تقييم كفاءة الخبير والحد من التقارير الضعيفة لا يرتبط بالتجديد السنوي وحده.
وفيما يتعلق بأجور الخبرة، يشير الخرابشة إلى أن المحكمة تحددها وفقاً لأحكام القانون ونظام الخبرة، الذي نص على إعداد دليل استرشادي يساعد في احتسابها بصورة دقيقة وعادلة.
وبناءً على ذلك، يلتزم الطرف طالب الخبرة بإيداع قيمة الأجور لدى صندوق المحكمة، بما يضمن حقوق جميع الأطراف، على أن تصرف للخبير لاحقاً بموجب قرار قضائي ووفق الإجراءات المعتمدة.
ويرى الخصاونة أن توحيد التعاملات المالية عبر صندوق المحكمة يمنع أي اتصال مالي مباشر بين الخبير وأطراف الخصومة، الأمر الذي يعزز استقلالية الخبير وحياد إجراءات الخبرة.
أما الزامل، فيوضح أن أجور الخبرة تقدر عادة وفق معايير تراعي طبيعة المهمة والجهد المبذول، ولا تكون مرتفعة في الغالب، محذراً من أن تخفيضها إلى مستويات لا تتناسب مع حجم العمل قد يدفع الخبراء الأكفاء إلى الاعتذار عن أداء المهمة.
وينوه إلى أن استرداد الأمانات ورد الأموال من صناديق المحاكم في حال اعتذار الخبير أصبح أكثر سهولة وسرعة بفضل النظام الإلكتروني المعتمد لدى وزارة العدل، ما يتيح تكليف خبير آخر ومباشرة المهمة خلال فترة أقصر.
ويؤكد المسشار القانوني الخصاونة أن إلزامية التواصل عبر المنصة الرقمية وتوثيق الإجراءات إلكترونياً يحدان من الاتصالات الفردية أو غير الموثقة مع أطراف الدعوى، كما يتيح النظام للمتقاضين تقديم إيضاحاتهم واعتراضاتهم على التقرير الفني إلكترونياً.
ويتفق المحامي الزامل مع أهمية هذه الآليات، موضحاً أن المحكمة تملك مناقشة الخبير، وطلب استكمال التقرير أو إعداد تقرير جديد، أو استبداله إذا لم تقتنع بنتائجه الفنية. كما يمكن للمحامي تقديم المذكرات والأسئلة والملاحظات ليجيب عنها الخبير، سواء ورقياً أو إلكترونياً.
وحول أثر الرقمنة في مدة التقاضي، يرى الخصاونة أن إيداع مستندات الخبرة وعقد جلساتها إلكترونياً يسهمان في الحد من المماطلة واختصار مدة المحاكمة، ويوفران بيئة قضائية أكثر سرعة وفاعلية، مع الحفاظ على حقوق أطراف الدعوى.
ويؤكد الزامل أن إجراءات الخبرة لا تؤدي عادة إلى إطالة أمد الدعاوى، إلا في الحالات التي تفرض طبيعتها ذلك، مشيراً إلى أن التحول الرقمي يسرع تبادل الردود والملاحظات، ويختصر المدة الإجمالية للفصل في القضية.
وعن تجربة المحامين مع المنظومة الرقمية في مراحلها الأولى، يقول الزامل إن عدداً كبيراً منهم واجه صعوبات تقنية في البداية، إلا أن وزارة العدل عملت تدريجياً على معالجة هذه التحديات وتسهيل استخدام النظام، حتى أصبح التعامل معه أكثر وضوحاً ويسراً.
وفيما يتعلق بمدى ملاءمة البيئة التشريعية للتحول الرقمي، يوضح الخصاونة أن التعديلات المتتالية على قوانين أصول المحاكمات والصلح والتبليغات، منذ عام 2019، أرست أساساً قانونياً للتعامل الرقمي في مختلف مراحل الدعوى، بدءاً من تبادل اللوائح والمذكرات، وصولاً إلى عقد الجلسات عن بُعد.
ويشدد على أن نظام الخبرة الجديد ينسجم مع النصوص التشريعية النافذة ويتكامل معها، دون الحاجة إلى استحداث تشريعات موازية.
نظام «خبرة المحاكم» الرقمي يعزز الحياد والشفافية
12:37 1-9-2026
آخر تعديل :
الثلاثاء