كتاب

إيران والعبث بأمن المنطقة.. من تصدير الثورة إلى انتاج المليشيات

تكشف الهجمات الإيرانية التي استهدفت الأردن والإمارات عن جانب من سلوك إقليمي عدواني امتد لعقود، قامت خلاله طهران بالتدخل في شؤون دول المنطقة، واستثمار الأزمات الداخلية فيها، وبناء شبكات سياسية ومسلحة ترتبط بها، سعيا إلى تكريس نفوذها وفرض حضورها في موازين القوى الإقليمية، ويكشف هذا السلوك أن إيران تعاملت مع المنطقة العربية باعتبارها مجالا مفتوحا لممارسة النفوذ وبناء مناطق تأثير تتعدى على الدول والشعوب، مستفيدة من أدوات عسكرية وسياسية ودينية ومذهبية متداخلة.
فمنذ الثورة الإيرانية عام 1979، ارتبطت السياسة الخارجية لطهران بفكرة تصدير الثورة، ثم تطورت هذه الفكرة إلى مشروع أوسع لبناء نفوذ خارج الحدود، واستثمرت إيران في إنشاء علاقات مع قوى سياسية وجماعات مسلحة في عدد من الدول العربية، وقدمت الدعم المالي والعسكري والتدريب والتسليح، لتنشأ مع مرور الوقت شبكة من القوى المرتبطة بدرجات مختلفة بالمشروع الإيراني.
هذا النهج منح إيران قدرة على التأثير في ساحات عربية متعددة من دون الدخول في مواجهة مباشرة في كل مرة، بحيث أصبح الحرس الثوري وفيلق القدس أداة رئيسية في بناء هذه الشبكات، بينما تولت المليشيات والقوى التابعة تنفيذ أدوار أمنية وعسكرية وسياسية تخريبية داخل دولها، وبهذه الطريقة تحولت بعض الدول العربية إلى ساحات تتحرك فيها حسابات إقليمية ترتبط بطهران أكثر مما ترتبط بالمصلحة الوطنية للدولة نفسها.
ويظهر هذا السلوك بوضوح في العراق ولبنان وسوريا واليمن. ففي العراق، ساعد الدعم الإيراني لفصائل مسلحة على تكوين قوى تمتلك حضورا عسكريا وسياسيا واسعا خارج إطار الدولة. وفي لبنان، أصبح حزب الله نموذجا لقوة مسلحة مرتبطة بإيران وتمتلك تأثيرا كبيرا في الحياة السياسية والأمنية بعيدا عن سيطرة الدولة. وفي سوريا، شاركت إيران والمليشيات الحليفة لها في دعم نظام بشار الأسد وتعزيز وجودها العسكري وقمع وقتل الشعب السوري، وفي اليمن، أدى دعم الحوثيين وتسليحهم وتطوير قدراتهم الصاروخية والمسيرة إلى تحويل اليمن إلى دولة فاشلة ومنح إيران نفوذا على مقربة من البحر الأحمر وباب المندب.
القاسم المشترك بين هذه التجارب هو تدخل قوة خارجية في بنية دول عربية، ودعم قوى محلية مسلحة تمتلك أجندات تتقاطع مع المصالح الإيرانية على حساب استقرار وأمن الدول والشعوب، ومع اتساع هذه الشبكة، أصبح النفوذ الإيراني مرتبطا بقدرة تلك القوى على التأثير في القرار الوطني لدولها وعلى استخدام أراضيها في صراعات إقليمية.
كما وظفت ايران القضية الفلسطينية عبر منحها موقعا متقدما في خطابها السياسي ، حيث قدمت نفسها على مدى عقود باعتبارها من الدول المدافعة عن فلسطين والقدس، وقد ساعد هذا الخطاب في بناء صورة سياسية وشعبية لإيران داخل المنطقة، واستثمرت طهران القضية الفلسطينية في توسيع حضورها بين قطاعات عربية وإسلامية متعاطفة مع الشعب الفلسطيني.
لكن قراءة السلوك الإيراني على مدى العقود الماضية تطرح سؤالا جوهريا حول الفارق بين الدفاع الحقيقي عن القضية الفلسطينية وبين توظيفها لخدمة المصالح السياسية، فالدعم الإيراني للفصائل الفلسطينية ارتبط في كثير من مراحله بحسابات النفوذ والردع وفتح قنوات تأثير داخل الساحة الفلسطينية، كما ارتبط باستخدام شعار القدس وفلسطين في تقديم إيران باعتبارها قوة إقليمية تقود مواجهة الاحتلال الإسرائيلي.
وتكشف هذه المعادلة أن القضية الفلسطينية تحولت في السياسة الإيرانية إلى ورقة لعب استراتيجية متعددة الاستخدامات، فمن خلالها تستطيع طهران الوصول إلى الرأي العام العربي خدمة لمصالحها، وتقديم نفسها باعتبارها طرفا مركزيا في الصراع، وتجنيد مزيد من الأتباع والأنصار، ومحاولة بناء شرعية شعبية لنفوذها الإقليمي، وفي هذه الحالة تصبح فلسطين جزءا من أدوات السياسة الخارجية الإيرانية، بينما تتراجع مكانة المصلحة الفلسطينية المستقلة عندما تتعارض مع حسابات طهران.
ويظهر الأمر بصورة أكثر وضوحا عند النظر إلى توظيف البعد الديني والمذهبي، فالمشكلة لا تتعلق بالمذهب الشيعي باعتباره مكونا أصيلا من مكونات العالم الإسلامي، وإنما في استخدام الانتماء المذهبي كأداة سياسية لتعزيز النفوذ وبناء شبكات الولاء، وقد عملت ايران عبر عقود على استثمار الروابط المذهبية والثقافية والدينية في عدد من المجتمعات العربية، وربطها بمشروع سياسي إقليمي تقوده طهران لفرض هيمنتها وخدمة مصالحها الخاصة.
ومن هنا، أصبح الخطاب الديني في بعض الحالات وسيلة لتقديم المشروع السياسي بصورة عقائدية، وتحويل الولاء السياسي إلى التزام ديني، بما يسهل عملية استقطاب الأفراد والجماعات وتوسيع دائرة الأتباع، وهذه المعادلة خدمت أهدافا سياسية واستراتيجية واضحة، من بينها بناء نفوذ طويل الأمد داخل بعض المجتمعات العربية.
وتكمن خطورة هذا النهج في أنه يضعف فكرة الدولة الوطنية عندما تصبح مرجعية بعض القوى السياسية والعسكرية مرتبطة بمركز خارجي، إذ إن الدولة التي تتعدد فيها مراكز القرار والسلاح تصبح أكثر عرضة للاختراق والتفكك، وتصبح قضايا السيادة والأمن الوطني رهينة لتوازنات وحسابات القوى الإقليمية.
في المقابل، واجهت الدول العربية خلال السنوات الماضية هذا المسار من خلال تعزيز قدراتها الأمنية والعسكرية، وحماية حدودها، وتطوير منظومات الدفاع الجوي، ومواجهة شبكات تهريب السلاح والمخدرات، وتعزيز التعاون الاستخباري والأمني في مواجهة المحاولات الإيرانية لبناء مليشيات تابعة لها داخل هذه الدول، كما أظهرت تجارب المنطقة أن استعادة الدولة لمؤسساتها وسيادتها تضيق المساحات التي تستطيع القوى الخارجية استغلالها لبناء نفوذها.
وفي هذا السياق، يحمل استهداف الأردن والإمارات دلالات تتصل بمحاولة اختبار قدرة الدولة العربية على حماية أمنها وسيادتها، فالأردن واجه خلال السنوات الماضية تهديدات متعددة مرتبطة بالصواريخ والطائرات المسيرة وشبكات تهريب السلاح والمخدرات، وحافظ في الوقت نفسه على سياسة تقوم على حماية حدوده ومنع استخدام أراضيه ساحة للصراعات الإقليمية، كما طورت الإمارات قدراتها الدفاعية وعلاقاتها الدولية لحماية أمنها ومصالحها الاستراتيجية.
وتظهر التجربة الأردنية بصورة خاصة أهمية الدولة الوطنية في مواجهة مشاريع النفوذ الخارجي، حيث حافظت المملكة على مؤسساتها وقرارها الوطني، ورفضت الانخراط في مشاريع المحاور التي تسعى إلى استخدام الجغرافيا العربية لخدمة صراعات إقليمية، ولذلك فإن استهداف الأردن يمثل محاولة للضغط على دولة اختارت أن تحافظ على أمنها واستقرارها وقرارها المستقل.
المواجهة مع المشروع الإيراني تحتاج إلى رؤية عربية جامعة تضع حماية الدولة الوطنية في مقدمة الأولويات، وتتعامل مع التدخلات الخارجية ومشاريع المليشيات باعتبارها تهديدا مباشرا للاستقرار، كما تحتاج إلى التعامل مع القضية الفلسطينية باعتبارها قضية عربية وإسلامية عادلة تستحق الدعم الحقيقي، مع رفض تحويلها إلى وسيلة لتوسيع النفوذ أو تجنيد الأتباع أو منح الشرعية لمشاريع سياسية خارجية لا تعد القضية الفلسطينية من أولوياتها أو ضمن حساباتها إلا بمقدار ما يخدم مصالحها أو فرض هيمنتها على الإقليم.
فالقدس لا تحتاج إلى شعارات تستخدم في الصراعات الإقليمية، وفلسطين لا تحتاج إلى قوى تبحث عن توظيف معاناتها لتحقيق مكاسب سياسية، في حين تحتاج القضية الفلسطينية إلى دعم صادق يحافظ على استقلال القرار الفلسطيني ويعزز قدرة الشعب الفلسطيني على تحقيق حقوقه المشروعة.
كما ينبغي أن لا يتحول الدين إلى غطاء للصراع السياسي أو وسيلة لتقسيم المجتمعات العربية، أو لتوظيفه في بناء ولاءات سياسية عابرة للحدود تتحول فيه الهوية الدينية إلى وسيلة لخدمة أهداف سياسية واستراتيجية.
لقد حاولت إيران على مدى عقود تحويل الأزمات العربية إلى فرص لبناء النفوذ، واستخدمت السلاح والتحالفات والشعارات الدينية والقضية الفلسطينية كأدوات متعددة لتحقيق هذا الهدف، لكن التجربة العربية أثبتت أن هذه المشاريع تواجه حدودا واضحة عندما تكون الدولة قوية، ومؤسساتها متماسكة، وقرارها الوطني مستقلا، ومجتمعها واعيا بمحاولات توظيف الدين والقضية الفلسطينية لخدمة مصالح القوى الخارجية.
في المحصلة، فإن استهداف الأردن والإمارات يجب أن يكون مناسبة لإعادة التأكيد على معادلة عربية واضحة مفادها أن أمن الدول العربية وسيادتها وقرارها الوطني خطوط حمراء، وأن القضية الفلسطينية ملك لشعبها وأمتها، والقدس قضية عادلة لا يجوز تحويلها إلى أداة لتوسيع النفوذ، والدين رابطة إيمانية جامعة لا غطاء لمشاريع الهيمنة السياسية، وأن كل مشروع يسعى إلى بناء نفوذ داخل المنطقة عبر المليشيات أو استثمار الانقسامات المذهبية أو توظيف القضايا المقدسة سيجد أمامه دولا وشعوبا عربية أكثر وعيا وقدرة على حماية أمنها ومصالحها ومستقبلها.