محليات

الكرك: مثقفون واكاديميون ..اللغة العربية ذاكرة امة ووعاء ثقافتها وسجل حضارتها

أكد مثقفون وأكاديميون في ندوة ثقافية نظمتها مديرية ثقافة الكرك ، في مركز الحسن الثقافي، بعنوان 'اللغة العربية.. قداسة، إرث، حضارة'، أن اللغة العربية ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل ذاكرة حضارية وأرث تاريخي ووعاء للهوية الراسخة وجسر يربط بين الماضي الحاضر والمستقبل .
وتناول المتحدثون في الندوة التي حضرها مساعد أمين عام وزارة الثقافة، مديرة ثقافة المحافظة عروبة الشمايلة ،ونخبة من المهتمين بالشأن الثقافي والأدبي وأبناء المجتمع المحلي ،مكانة اللغة العربية وأثرها في بناء الحضارة الإنسانية ،مبرزين ما تمتلكه من جماليات فنية فريدة تتجسد في غزارة وتنوع مفرداتها ومعانية والبيان والبلاغة عارضين لسبل المحافظة على حضورها وتعزيز استخدامها، ودورها في صون الهوية الثقافية والحضارية.
وتحدث التربوي الدكتور يوسف الحباشنة في محور 'اللغة العربية أصل اللغات'،مشيرا إلى ان العربية لغة مقدسة فهي لغة القران الكريم ، لافتا إلى نظرية مفادها أن اللغة العربية هي أصل اللغات كلها والتي تفترض ان العربية انتقلت مع الهجرات البشرية من الجزيرة العربية ، ثم اعتراها التغيير مع الزمن لتكون لهجات ثم لغات جديدة.
وذكر إن دراسات كثيرة أخذت تنحو هذا النحو معرجا على أمثلة من واقع الانجليزية استمدها من آراء الأب انستاس الكرملي ومن عبد الرحمن البوريني في مؤلفه ( العربية أصل اللغات) .
وبين ان العربية امتازت عن سواها بقاموسها الواسع إذ بلغت مفرداتها اثني عشر مليون مفردة بينما بلغت الانجليزية ستمائة ألف مفردة فقط وان عمرها بلغ مكتملة آلاف السنين الأمر الذي لم تدانيه فيها لغة أخرى كما أصبحت محط أنظار الباحثين .
وابرز أستاذ النحو وعلوم اللغة في قسم اللغة العربية في جامعة مؤته الدكتور جزاء المصاروة النظريات التي حاولت تفسير نشأة اللغة الإنسانية، ومنها النظرية التوقيفية التي تردّ أصل اللغة إلى التعليم الإلهي، ونظرية المواضعة والاصطلاح التي ترى أن الألفاظ نشأت نتيجة الاتفاق الاجتماعي بين أفراد الجماعة اللغوية، إلى جانب نظريات المحاكاة الصوتية والانفعال، وصولًا إلى النظريات التطورية الحديثة التي تفسر نشأة اللغة بوصفها حصيلة تفاعل طويل بين التطور البيولوجي والقدرات الإدراكية والحاجة إلى التواصل الاجتماعي.
وتناول المصاروه في حديثة أصل اللغة العربية وموقعها ضمن الأسرة السامية، مبينا أن العربية واحدة من اللغات السامية التي تضم كذلك الآرامية والعبرية والأكادية وغيرها، وأنها مرت بمراحل تاريخية ولهجية متعددة قبل الإسلام، وقد كانت الجزيرة العربية عند نزول القرآن الكريم بيئة لغوية تتعدد فيها اللهجات العربية، في حين مثلت العربية الفصيحة مستوى لغويًا أوسع من اللهجات المحلية، فيما أسهم القرآن الكريم إسهامًا حاسمًا في تثبيت مكانتها، وحفظ كثير من خصائصها، وتعزيز انتشارها .
وتطرقت الدكتورة منتهى الطراونة إلى القيمة الحضارية للغة العربية، مستعرضة حضورها في تشكيل الهوية والإرث الحضاري العربي ، وقالت 'ليس من السهل أن نتحدث عن اللغة العربية دون أن نشعر أننا نتحدث عن شيء يسكن فينا أكثر مما نسكن فيه ،فالعربية ليست مجرد كلمات نتبادلها، ولا قواعد نتعلمها في المدارس، ولا قاموسًا نعود إليه حين نبحث عن معنى.
وأكدت ان العربية ذاكرة أمة، ووعاء ثقافتها، وسجل وجدانها، وأحد أهم الشواهد على حضورها الحضاري ،موضحة ان اللغة ليست وسيلة كلام فقط ،فحين يفقد الإنسان لغته، لا يفقد مجموعة من المفردات، وإنما يفقد جزءًا من ذاكرته ،و الأمة التي تحافظ على لغتها لا تحافظ على ماضيها فقط، وإنما تحافظ على قدرتها على تذكّر نفسها والعربية في هذا المجال ليست استثناءً.
وبينت الطراونه ان العربية ولدت في قلب حضارة ومن الأخطاء أن نتحدث عنها بوصفها لغة شعر وخطابة فقط رغم أهمية ذلك ،وقد دخلت العربية بعد الإسلام، مرحلة حضارية جديدة فصارت لغة القرآن، ثم أصبحت لغة الإدارة والعلم والفلسفة والطب والفلك والرياضيات والجغرافيا وفي عصور الازدهار الحضاري، كان العالم يأتي إلى العربية طلبًا للمعرفة.
وأشارت أن العربية لم تكن جزيرة مغلقة فقد ترجمت علوم الأمم الأخرى، واستوعبت مفاهيم جديدة، وابتكرت لها ألفاظًا ومصطلحات، ثم أصبحت هي نفسها لغة انتقلت عبرها المعرفة إلى أمم أخرى ، منبهة إن الخطر الحقيقي على العربية ليس أن تدخل كلمات أجنبية إلى كلامنا ،فاللغات الحية تتفاعل دائمًا ،أنما يكمن بتوقف العربية عن كونها لغة إنتاج معرفي وإبداعي.
وتابعت لا نريد للغتنا أن تكون متحفًا بل نريدها أن تكون مختبرًا ، وحاضرة بقوة في عصر التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي ،فاللغة التي لا تدخل العالم الرقمي بقوة، مهددة بأن يصبح حضورها أقل من حضورها في الحياة الواقعية.
وختمت الطراونه بالقول' ان الدفاع الحقيقي عن العربية هو أن نجعلها قادرة على الدخول إلى المستقبل وأن نعيد للعربية حضورها،بجعلها لغة جميلة في حياتنا، لا لغة ثقيلة نستخدمها في المناسبات، فالوفاء للغة لا يكون فقط بحفظ ما تركه لنا السابقون ،أنما أن نترك نحن أيضًا شيئًا لمن يأتي بعدنا ،فاللغة العربية التي حملت يومًا شعلة المعرفة قادرة على حملها من جديد.