بين مبان قديمة تحفظ ملامح المدينة الأولى، وشوارع وساحات تتغير مع متطلبات الحياة الحديثة، يقف وسط مدينة إربد أمام معادلة دقيقة، كيف يمكن تطوير المكان وإعادة إحيائه دون أن يفقد ذاكرته وهويته؟.
وخلال السنوات الماضية، شهد وسط المدينة أعمال تأهيل وتطوير طالت الشوارع والساحات والبنية التحتية، بالتوازي مع ترميم عدد من المباني التراثية وإعادة توظيف بعضها، وتوسع الأنشطة التجارية والاستثمارية، وبينما أسهمت هذه الأعمال في تحسين واقع المنطقة وتنشيط الحركة فيها، تبرز في المقابل تحديات تتعلق بالحفاظ على التجانس البصري والطابع التاريخي، خصوصا مع التغييرات التي تطرأ على الواجهات واللافتات واستخدامات المباني.
'الرأي' التقت المهندسة رباب علي، رئيس قسم المشاريع المحلية والدولية ومسؤولة ملف التراث في بلدية إربد الكبرى، التي اكدت أن التعامل مع وسط إربد لا يقوم على المفاضلة بين التطوير والحفاظ، وإنما على إدارة التغيير بطريقة تضمن استمرار القيمة التاريخية والعمرانية للمكان.
وتوضح أن تقييم المباني والمواقع التراثية لا يعتمد على قدم المبنى وحده، بل يستند إلى مجموعة من المعايير، تشمل القيمة التاريخية والرمزية والمعمارية والعمرانية والاجتماعية والاقتصادية، إضافة إلى مستوى الأصالة والأهمية الجغرافية للموقع، وبناءً عليها تحدد درجة أهميته ومستوى التدخل الذي يمكن أن يتحمله دون فقدان قيمته.
وتأتي هذه الإجراءات في إطار قانون حماية التراث العمراني والحضري رقم (5) لسنة 2005، والأسس والمعايير الخاصة بتحديد التراث العمراني والحضري والحفاظ عليه لسنة 2021، بما يجعل التوثيق والتقييم أساسًا لاتخاذ قرارات الحماية والترميم وإعادة الاستخدام.
أكثر من 400 مبنى تراثي
وتكشف أعمال الحصر الميداني التي نفذتها بلدية إربد الكبرى عن وجود أكثر من 400 مبنى تراثي ضمن منطقة وسط المدينة، متفاوتة في درجة قيمتها وأهميتها التراثية.
وجرى توثيق هذه المباني وتصويرها من خلال العمل الميداني، إلى جانب جمع المعلومات التاريخية والاجتماعية من أصحاب المباني والسكان، والاستناد إلى الدراسات والوثائق السابقة.
وأظهرت نتائج التقييم تصنيف 30 مبنى ضمن فئة القيمة العالية، و103 مبانٍ ضمن الفئة المتوسطة، و284 مبنى ضمن الفئة الضعيفة.
ولا يعني التصنيف الضعيف بالضرورة أن المبنى يخلو من القيمة أو أنه مستبعد من الحماية، وإنما يعكس نتيجة التقييم وفق المعايير المعتمدة، فيما تمثل المباني ذات القيمة العالية أولوية أكبر في إجراءات الحفاظ والترميم والتدخل.
ومن بين هذه المباني، جرى تسجيل سبعة مبان ضمن السجل الوطني للتراث بعد اعتمادها من اللجنة الوطنية لحماية التراث العمراني والحضري، معظمها في منطقة التل الأثري، من بينها بيت النابلسي، وبيت سعيد جمعة 'المحكمة القديمة' ، وحارة الجودة، وبيت أبو رجيع، وبيت اللحام، والمبنى المجاور لسور إربد الأثري القديم، فيما يجري التنسيق لإدراج مبان أخرى.
وتؤكد علي أن وزارة السياحة والآثار تضطلع بدور محوري في ملف التراث العمراني والحضري، لا يقتصر على الحماية والحفاظ، وإنما يمتد إلى تعزيز قيمة التراث وربطه بالتنمية المحلية والسياحة الثقافية.
كما تبرز أهمية اللجنة الوطنية لحماية التراث العمراني والحضري في تعزيز التعاون الفني والتخصصي مع البلديات، من خلال الخبرات المتعلقة بتقييم المباني والمواقع التراثية وتوثيقها ووضع أسس حمايتها.
ويشمل التعاون الكشف الحسي على المباني والمواقع، وإجراء التقييمات الفنية، وتوثيق المباني وإدراجها في سجل التراث العمراني والحضري، إضافة إلى بناء قدرات الكوادر البلدية وتبادل الخبرات ونشر الوعي والإشراف والمتابعة على المشاريع المرتبطة بالتراث.
من بيت النابلسي إلى بيت عرار
لم تتوقف جهود الحفاظ على التراث عند الحصر والتوثيق، إذ بدأت بلدية إربد الكبرى منذ عام 2003 باستملاك عدد من البيوت التراثية، من بينها بيت علي خلقي الشرايري، وبيت جمعة، وبيت النابلسي، وحارة الجودة، فيما جرى ترميم وتأهيل عدد منها بالتعاون مع وزارة السياحة والآثار.
ويعد بيت النابلسي أحد أبرز النماذج، إذ يعود بناؤه إلى عام 1925، ويحمل ملامح معمارية متأثرة بالطراز الدمشقي، وبعد استملاكه من قبل بلدية إربد الكبرى وترميمه وتأهيله بالتعاون مع وزارة السياحة والآثار، افتتح بحلته الجديدة عام 2008، وأدرج ضمن السجل الوطني للتراث.
وتشير تجربة البيت إلى إمكانية تحويل المبنى التراثي من عنصر معماري ساكن إلى مساحة حية تخدم المجتمع، فقد احتضن في السنوات الأخيرة فعاليات وبازارات وأنشطة ثقافية ومجتمعية، وهو ما يعكس توجها نحو إعادة توظيف هذه المباني بدل إبقائها مجرد شواهد على الماضي.
كما جرى ترميم وتأهيل بيت علي خلقي الشرايري خلال عامي 2009 و2010 بهدف تحويله إلى متحف سياسي، فيما يجري التنسيق لإدراجه ضمن السجل الوطني للتراث.
أما بيت عرار، المنزل التاريخي المرتبط بالشاعر الأردني مصطفى وهبي التل 'عرار'، فيمثل أحد أبرز المواقع المرتبطة بذاكرة إربد الثقافية، وقد تحول بعد ترميمه من قبل وزارة الثقافة الأردنية إلى صرح ثقافي يستضيف الفعاليات والأنشطة، فيما يجري العمل على إدراجه ضمن السجل الوطني للتراث.
وفي السياق ذاته، تطرح البلدية حاليا عطاء لترميم وإعادة تأهيل فندق الملك غازي المعروف ببيت جمعة، بتمويل من مخصصات موازنة عام 2026 لمجلس محافظة إربد.
وشهدت الفترة الأخيرة أعمال ترميم وتأهيل لمواقع وفضاءات عامة في منطقة ظهر التل، شملت مبنى بلدية إربد القديم، وساحة البلدية، ودرج البلدية 'درج السلام'، وميدان الساعة، في محاولة لإعادة ربط هذه المواقع بالحياة اليومية للمدينة.
التراث.. نسيج لا مبان منفردة
وبحسب علي، لم يعد التعامل مع وسط إربد قائما على حماية مبنى تراثي منفرد، إذ تراكمت منذ عام 2005 دراسات تناولت تطوير وسط المدينة وترميم مبانيه، تلتها دراسة عام 2009، ثم دراسة تطوير وسط إربد عام 2018، التي تضمنت تحديث المعلومات من خلال العمل الميداني وإضافة مبانٍ جديدة إلى قاعدة البيانات.
وتوسعت الدراسات لتشمل الجوانب التاريخية والاجتماعية والعمرانية والمرورية، والنظر إلى المباني ضمن النسيج المحيط بها، وليس باعتبارها عناصر منفصلة.
وجرى تصنيف المنطقة التراثية إلى خمس مناطق ذات خصائص متقاربة، هي: منطقة التل وساحة فوعرا، وساحة الردايدة، ووسط المدينة، وشارع حسين علي الدلقموني، وشارعا السموأل وامرئ القيس.
ويقوم التصور على ربط المباني التراثية بالساحات والفراغات العامة والأنشطة والخدمات المحيطة بها، إلى جانب إعداد حلول مرورية ومخططات تفصيلية لمواقع مهمة، من بينها حسبة المفرق 'حسبة الأفراح'، وساحة فوعرا، وميدان الساعة، والحديقة العامة الواقعة على ظهر التل التراثي.
حين يصبح التراث جزءا من الحياة اليومية
وخلال زيارة ميدانية أجرتها ' الرأي' إلى وسط إربد وبيت عرار ومتحف بيت السرايا، رُصد وجود زوار في عدد من المواقع التراثية، رغم ارتفاع درجات الحرارة، بما يعكس استمرار حضور هذه الأماكن في المشهد اليومي للمدينة.
وفي بيت عرار، أوضح مسؤول البيت سامي دبيس أن الموقع يفتح أبوابه أمام الزوار بصورة مستمرة، فيما يجري الإعلان عن الفعاليات والأنشطة من خلال صفحات البيت على مواقع التواصل الاجتماعي.
وأشار دبيس إلى أن معظم الفعاليات التي ينظمها البيت غير مدفوعة الأجر، في إطار السعي إلى تحويله إلى مساحة تحتضن مواهب الشباب وإبداعات الفنانين، بما يتجاوز مفهوم المتحف التقليدي إلى موقع ثقافي مفتوح أمام المجتمع.
وفي متحف بيت السرايا، قال محمد صبح، أحد العاملين في الموقع، إن المتحف يستقبل الزوار من مختلف الجنسيات، مشيرا إلى ارتفاع الإقبال بعد آخر التعديلات التي طرأت على الموقع، وأن المتحف يحتفظ بإحصاءات توثق أعداد الزوار.
وتكشف هذه المشاهد أن قيمة المبنى التراثي لا تكتمل بترميم جدرانه، وإنما بقدرته على الاستمرار في استقبال الناس واحتضان النشاط الثقافي والاجتماعي.
الملكية الخاصة وكلفة الترميم
وتواجه عملية الحفاظ على التراث تحديات عدة، في مقدمتها الملكية الخاصة، وارتفاع كلفة الترميم، والحالة الإنشائية لبعض المباني، وتغير استخداماتها، ونقص الكوادر والخبرات المتخصصة.
وتشير علي إلى أن ارتفاع أسعار العقارات في وسط المدينة قد يدفع بعض المالكين إلى بيع ممتلكاتهم أو السعي لتحقيق عائد اقتصادي أكبر، الأمر الذي قد يقود إلى تغيير المبنى أو هدمه وإعادة البناء، فيما قد تؤثر الإضافات الإنشائية والتوسع الرأسي في القيمة المعمارية وانسجام النسيج العمراني.
وتبرز هنا أهمية تسجيل المبنى رسميا ضمن سجل التراث العمراني والحضري، إذ يخضع بعد استكمال إجراءات التسجيل لأحكام الحماية التي نص عليها القانون، بما يحد من إمكانية هدمه أو إجراء تغييرات تفقده قيمته.
لكن الحماية، بحسب علي، يجب ألا تتحول إلى عبء على المالك، بل ينبغي أن تترافق مع حوافز مالية وضريبية وتشجيع إعادة الاستخدام والاستثمار.
وتشمل الحوافز التي نص عليها القانون الإعفاء من ضريبة الدخل وضريبة الخدمات الاجتماعية المتأتية من استغلال الموقع التراثي بما يتلاءم مع صفته، والإعفاء من رسوم نقل الملكية عند شراء مبنى تراثي بهدف ترميمه والمحافظة عليه، وإعفاء المواد الإنشائية والديكورات المستخدمة في أعمال الترميم وإعادة التأهيل من الضريبة العامة على المبيعات والرسوم الأخرى، بما فيها رسوم الاستيراد.
وتؤكد علي أهمية تفعيل صندوق حماية التراث واستكمال النظام والتعليمات الخاصة به، بما يوفر دعما حقيقيا لأصحاب البيوت التراثية الخاصة التي تحتاج إلى الترميم وإعادة التأهيل.
من الحماية المحلية إلى الطموح العالمي
ويأتي الطموح بالوصول بتراث إربد إلى قائمة التراث العالمي لدى اليونسكو ضمن الرؤية المستقبلية، إلا أن ذلك لا يعني وجود ترشيح رسمي قائم في الوقت الحالي.
وتوضح علي أنه لا يوجد حتى الآن موقع من وسط إربد مدرج ضمن القائمة الإرشادية المؤقتة الأردنية للتراث العالمي، وبالتالي لم تدخل المدينة مرحلة الترشيح الرسمي.
وتتركز الجهود الحالية على استكمال التوثيق والتقييم وإعداد ملف متكامل للنسيج التراثي لوسط إربد، على أن يجري لاحقا، بالتعاون مع وزارة السياحة والآثار واللجنة الوطنية لحماية التراث العمراني والحضري، تقييم القيمة العالمية الاستثنائية المحتملة للموقع وبحث إمكانية إدراجه على القائمة الإرشادية، ثم الانتقال إلى إجراءات الترشيح إذا استوفى المتطلبات.
وتخلص علي إلى أن التحدي لا يكمن في غياب القيمة التراثية عن إربد، وإنما في استكمال المنظومة المحيطة بها، من التوثيق والتقييم والحماية القانونية والتمويل والتأهيل والإدارة المستدامة والمشاركة المجتمعية.
ذاكرة المدينة لا تسكن في الحجر وحده
ولا تقتصر هوية إربد على المباني والأسواق والساحات، بل تمتد إلى الفنون الشعبية والحرف التقليدية والموروث الغذائي والعادات والتقاليد والذاكرة المرتبطة بالمكان.
وتعد وزارة الثقافة الجهة الوطنية الأساسية المعنية بالتراث الثقافي غير المادي، فيما تضطلع وزارة السياحة والآثار بأدوار تكاملية، خصوصًا في توظيف عناصر التراث غير المادي ضمن المنتج السياحي والتعريف بها والترويج لها.
ومن هنا، يمكن النظر إلى المبنى التراثي باعتباره حاضنة للذاكرة، بحيث تتحول الساحات والشوارع والمواقع التاريخية إلى فضاءات تستضيف الفعاليات الثقافية والفنون والحرف والمناسبات، وتربط التراث المادي بغير المادي في مشهد واحد.
خلال السنوات الخمس المقبلة، تتطلع بلدية إربد الكبرى إلى إعادة تأهيل عدد من المباني التراثية ذات الأولوية، وتفعيل الساحات والشوارع والفضاءات العامة والخضراء، وإعادة تشغيل المباني القابلة لإعادة الاستخدام التكيفي، بما يحترم قيمتها التاريخية ويلبي احتياجات المجتمع المعاصر.
كما تتطلع إلى تنشيط الفعاليات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية وإعادة الناس إلى وسط المدينة.
وفي المحصلة، فإن نجاح تجربة الحفاظ على وسط إربد لن يقاس بعدد المباني التي جرى ترميمها فقط، وإنما بقدرة المنطقة على استعادة دورها وحيويتها واحتضان الحياة اليومية.
فالمطلوب ليس تحويل وسط إربد إلى متحف مفتوح، ولا ترك التطوير يبتلع ذاكرته، وإنما إيجاد صيغة تجعل التراث جزءًا من الحاضر وأداة للمستقبل؛ بحيث تبقى المباني والساحات والشوارع شاهدة على تاريخ المدينة، وفي الوقت نفسه قادرة على استقبال الناس والثقافة والاستثمار والحياة.
400 مبنى تراثي في وسط إربد تحت الحصر والتقييم
06:38 30-8-2026
آخر تعديل :
الأحد