ردا على مقال "أين الملك عبد الله؟"

تاريخ النشر : الأحد 02:36 30-8-2026
أ. د. ليث كمال نصراوين

نشرت مجلة Foreign Policy الأمريكية قبل أيام مقالا بعنوان "أين الملك عبد الله؟"، تضمن جملة من الملاحظات حول حضور جلالة الملك عبدالله الثاني في المشهد العام، وزياراته الخارجية، ومحدودية ظهوره الإعلامي، ودوره في التعامل مع عدد من الملفات الداخلية والإقليمية، ليخلص الكاتب في نهاية المقال إلى نتيجة مفادها تراجع الدور القيادي للملك.

إن مناقشة هذه الطروحات والرد عليها تقتضي وضعها في إطارها الدستوري الصحيح؛ فعدد من الاستنتاجات التي ساقها كاتب المقال تقوم على الخلط بين مركز الملك باعتباره رأس الدولة من جهة، وموقعه في السلطة التنفيذية من جهة أخرى، فضلا عن طبيعة اختصاصاته الدستورية، والأحكام التي تنظم وجوده خارج البلاد.

فأولى الملاحظات التي تضمنها المقال تتعلق بانتقاد عدم ظهور الملك للحديث عن الاعتداءات الإيرانية على الأراضي الأردنية، وعدم عقده مؤتمرا صحفيا للدفاع عن السياسات المتعلقة بالشراكة الأمنية مع الولايات المتحدة، حيث ينطلق هذا الطرح من افتراض أن الملك هو المسؤول دستوريا عن شرح السياسة العامة للدولة والدفاع عنها أمام الرأي العام، وهو افتراض لا ينسجم مع طبيعة النظام الدستوري الأردني.

فالمادة (26) من الدستور تنص على أن السلطة التنفيذية تناط بالملك ويتولاها بواسطة وزرائه وفق أحكام الدستور، كما تقضي المادة (30) بأن الملك هو رأس الدولة وهو مصون من كل تبعة ومسؤولية. ويقابل ذلك ما تقرره المادة (51) من الدستور من مسؤولية رئيس الوزراء والوزراء أمام مجلس النواب عن السياسة العامة للدولة، ومسؤولية كل وزير عن أعمال وزارته.

وعليه، فإن شرح السياسات الحكومية والدفاع عنها أمام الرأي العام هو من مقتضيات المسؤولية السياسية للحكومة ووزرائها، باعتبارهم خاضعين للمساءلة عنها أمام مجلس النواب وليس الملك، الذي قرر الدستور صراحة أنه مصون من كل تبعة ومسؤولية. ويظهر ذلك في مجال السياسة الخارجية، من خلال المواقف التي تعلنها الحكومة الأردنية، ويُعبر عنها المسؤولون في وزارة الخارجية إزاء التطورات الدولية والإقليمية المتلاحقة.

وفي السياق ذاته، يربط المقال بين محدودية ظهور الملك في وسائل الإعلام وبين تراجع دوره القيادي، مستندا إلى انخفاض عدد المقابلات الصحفية التي أجراها مقارنة بالسنوات الأولى من عهده. وهذا الربط لا ينسجم مع طبيعة موقعه الدستوري؛ فالدستور لم يجعل من عدد الخطابات أو المقابلات الصحفية معيارا لتقييم قيام الملك بمهامه، وإنما حدد مركزه والصلاحيات المناطة به وكيفية ممارستها وفق أحكامه.

أما الملاحظة الأخرى التي وردت في المقال، فتتمثل في الاستناد إلى سفر الملك خارج الأردن باعتباره مؤشرا على ابتعاده عن إدارة شؤون الدولة. وهذا الاستنتاج يتجاهل أن الدستور الأردني قد عالج وجود الملك خارج البلاد، ونظم في المادة (28) الأحكام المتعلقة بتعيين نائب للملك أثناء غيابه، بما يحول دون حدوث أي فراغ دستوري في مؤسسة العرش.

ومن ثم، فإن الوجود المادي للملك داخل إقليم الدولة أو خارجه لا يشكل بحد ذاته معيارا دستوريا لقياس مدى قيامه بمهامه. كما أن الزيارات الخارجية ترتبط بموقع الملك بوصفه رأس الدولة ودوره في تمثيل المملكة وعلاقاتها الخارجية، ومن غير الدقيق تقييمها بمجرد عددها أو مدتها، وذلك بمعزل عن طبيعتها والغايات التي تسعى إلى تحقيقها.

ولا يقف المقال عند تقييم حضور الملك، بل يتجاوزه إلى وصف السلطة التشريعية في الأردن بأنها غير مؤثرة، مستندا إلى تقارير دولية حول مستوى الديمقراطية في البلاد. وهنا ينبغي التمييز بين البناء الدستوري للسلطة التشريعية وبين تقييم أدائها. فالسلطة التشريعية تناط بموجب المادة (25) من الدستور بمجلس الأمة والملك، كما قرر المشرع الدستوري مسؤولية الحكومة أمام مجلس النواب، ومنحه أدوات رقابية تصل إلى حجب الثقة عن الوزارة برمتها أو أحد وزرائها.

أما مناقشة مدى فاعلية مجلس النواب في استخدام أدواته الرقابية وانتقاد ممارسته لها، فهي تختلف عن تصوير السلطة التشريعية وكأنها تفتقر دستوريا إلى وسائل التأثير والمساءلة. فضعف التقييم السياسي أو الشعبي لأداء المجالس النيابية لا ينتقص من الصلاحيات التي قررها الدستور لها، كما أن مشروعية النقد السياسي للمؤسسات الدستورية تقتضي أن يستند إلى قراءة صحيحة لمركزها واختصاصاتها.

خلاصة القول، إن عنوان المقال "أين الملك عبد الله؟" قد يكون جاذبا صحفيا، لكنه لا يعكس المعيار الصحيح لتقييم موقع الملك ودوره، الذي لا يقاس بحضوره الإعلامي أو وجوده داخل البلاد، وإنما بأدائه للمهام التي أناطها به الدستور. ومن هنا، فإن السؤال الأجدر ليس أين يوجد الملك أو كم مرة يظهر أمام وسائل الإعلام، بل ما إذا كانت مؤسسات الدولة تمارس صلاحياتها وتتحمل مسؤولياتها وفق أحكامه، وهو ما تؤكده الممارسة الفعلية، إذ تواصل هذه الهيئات الحاكمة أداء مهامها وممارسة اختصاصاتها ضمن الإطار الدستوري المقرر لها.

* أستاذ القانون الدستوري في كلية الحقوق في الجامعة الأردنية

[email protected]

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }