وبذلك يغلفون الدور المحوري الذي لعبه البعوض في تاريخ البشر مثلا، فهو المسبب الرئيس في نقل الملاريا والحمى الصفراء وحمى الضنك، فهذه الأوبئة المرتبطة بالبعوض وأماكن انتشاره الجغرافية أودت بحياة مليارات البشر على مر التاريخ، وحددت قدرات ومستقبل الامم، اذ انها أثرت في عدد السكان وأماكن وجدوهم وقدرتهم على الانتاج والزراعة.
وكذلك هزمت هذه الأمراض التي نقلها البعوض جيوشا كما حصل مع فرنسا في قمع ثورة هايتي ( لما هزمت الملاريا فرنسا رغم تفوقها الساحق ) والذي كان سببا مباشرا لبيع فرنسا للويزيانا لصالح الولايات المتحدة ومضاعفة مساحتها.
كما الجراثيم والحديد والبارود كانت لاعبين رئيسين في كتابة التاريخ، فبالجراثيم والأمراض الأوروبية انتصر الإسبان على سكان إمبراطوريات المايا والازتك، وبسبب الطاعون انبعث عصر النهضة الأوروبية نتيجة نقص اليد العاملة التي نالت بندرتها حقوقها، وليس نهاية بكورونا وما غيرت في الاقتصاد العالمي وسارعت في توجهات الرقمنة والذكاء الاصطناعي.
وكذلك البارود الذي غيّر شكل القوة إلى الأبد، فيكفيك أن تتخيل بارود المدافع وهو يدك أسوار القسطنطينية لينهي قصة روما "الدولة" التي امتدّت إلى ٢٢٠٠ سنة وينهي معها عصر القلاع والأسوار التي تقي من خلفها شر الغزاة، ليمد البارود سطوة القدرة العسكرية إلى مدىً لم تعرفه البشرية من قبل بداية بالمدافع والبنادق إلى الصورايخ والقذائف التي غيرت قواعد الاشتباك حتى لم تعد الجغرافيا او الحدود شرطا لشن الحروب.
أما الحديد وهو رمز لكل المعادن، فمنذ اكتشف الإنسان الصلب كان علامة قوة للأمم، فمنه صنع السيف والمحراث قديما وبه انطلقت الثورة الصناعية إلى ان وصلنا إلى عصر المعادن النادرة اللازمة لصناعة البطاريات والرقائق الضرورية للذكاء الاصطناعي والثورة الاقتصادية/ المعرفية الرابعة.
تاريخ الأمم أكثر تعقيدا من اختزاله في قرارات البشر ونخبهم، فهو نتاج لتشابك الإنسان وحضارته مع الطبيعة والجغرافيا، وهذا التشبيك يغير مفهوم قوة الدول من المنظور التقليدي
(العسكر والثروة) إلى قياس قدرة مؤسساتها العلمية والصحية والاقتصادية على مواجهة تحديات الطبيعة والجغرافيا (في ادارة الأزمات واقتناص للفرص) اذ في تفاصيل هذا الاشتباك اليومي بين الانسان وأدواته والطبيعة وسننها يكتب التاريخ وتقرر مصائر الامم.