ولقد مررت على ديارهم وطلولها بيد البلى نهب
أهالتك الصورة؟! غدت الديار العامرة أطلالا تعبث فيها الريح، تعبث بها يد الزمن الذي أودى بساكنيها إلى حيث لا تدري، ظل المكان يحفظ ذكراهم، ويشير إلى فقدهم المر، كانوا هنا يعمرونه بالحياة وبالحركة الصاخبة، الآن يخيم مكانهم الخراب والسكون، تقف حتى يضج بعيرك ويمل الوقوف، وحتى تغدو كائنا غريبا يُضجر صحبه الذين يعذلونه على وقوفه الذي أرهقهم.
فوقفت حتى ضج من لغب نضوي ولج بعذلي الركب
لم يفهم البشر ولا الحيوان شعورك المر بالفقد، عذلوك وضجروا من سلوكك الغريب اضطروك للرحيل، للبعد عن تلك الديار التي فقدت الحياة، وغدت خرابا غابت عن عينك، ولكنها لم تغب من قلبك. هنا غاب الوجود الحسي للمكان، لم تعد العين تراه، لكنه قر في القلب الذي لا يعرف الغياب. تغيب الديار عن حواسنا ولكنها لا تغيب من قلوبنا، هنا نستعيض عما نفتقده بحواسنا بما يستقر في وجداننا، إذن لابد أن يتلفت القلب؛ لأن المكان هو الذي يسكننا.
ما الذي فعله الشعراء الجاهليون قبلك، وقفوا وبكوا. ألم تصبح جملة امرئ القيس " قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل"، أيقونة معلقة على الشفاه، تردد دون إدراك معناها. ألم تغدو عبارة عنترة بن شداد " يا دار عبلة بالجواء تكلمي" خطابا لمكان فقد أي لسان يجيب. لكن صحبك أيها الشريف لم تتلفت قلوبهم، بل بكوا الديار وساكنيها الذين أودت بهم يد الدهر، فغابوا، وغدت بيوتهم خرابا، أطلالا يقف عليها الشعراء للبكاء، ثم يمضون إلى غاياتهم.
لكنك جئت، وفي قلبك المكان وأهله، فهو لا يغيب فقد سكن في قلب يتلفت، قد يغيب مكان الأحبة عن البصر، لكنه يسكن القلب.
وتلفتت عيني فمذ خفيت عني الطلول تلفت القلب
سلام عليك وعلى كل قلب يتلفت.