يمضي الأردن بثقة في مسارات التحديث السياسي والاقتصادي والإداري، إلا أن نجاح هذه المسارات لا يرتبط فقط بإطلاق الاستراتيجيات والخطط، بل بقدرة المؤسسات على تنفيذها بكفاءة ومساءلة واستدامة. ومن هنا تبرز الحاجة إلى تعزيز منظومة الحوكمة الحكومية باعتبارها الركيزة الأساسية لأي مشروع إصلاحي ناجح.
ورغم الجهود المبذولة في تطوير القطاع العام، ما تزال مسؤوليات الرقابة والأداء المؤسسي موزعة بين جهات متعددة، الأمر الذي يستدعي وجود مظلة مؤسسية موحدة تقود جهود الحوكمة وترسخ ثقافة الامتثال المؤسسي وإدارة الأداء وفق أفضل الممارسات الدولية.
إن إنشاء وزارة متخصصة للحوكمة وتطوير القطاع العام لا يعني استحداث جهاز بيروقراطي جديد، بل إعادة توجيه الجهود والموارد ضمن إطار مؤسسي أكثر فاعلية، يتولى قيادة ملفات الحوكمة والشفافية والمساءلة وتطوير الأداء الحكومي.
ويمكن أن تضطلع هذه الوزارة بثلاثة أدوار رئيسة:
أولاً، ترسيخ الحوكمة المؤسسية من خلال بناء منظومة متكاملة للشفافية والمساءلة والرقابة الداخلية، وتحويلها إلى ممارسات عملية داخل المؤسسات الحكومية.
ثانياً، دعم التحول الرقمي الحكومي من منظور حوكمي يضمن تبسيط الإجراءات وتحسين جودة الخدمات ورفع كفاءة استخدام الموارد العامة.
ثالثاً، تطوير مؤشرات أداء وطنية موحدة تربط بين الإنجاز والمسؤولية، وتوفر أدوات قياس دقيقة لأداء المؤسسات الحكومية بما يضمن استدامة المشاريع الوطنية بغض النظر عن تغير الإدارات والأشخاص.
لقد أثبتت التجارب الدولية أن نجاح برامج التحديث والإصلاح يرتبط بوجود جهة مركزية تقود الحوكمة وتتابع التنفيذ وتقيس الأثر. والأردن بما يمتلكه من كفاءات وخبرات وطنية قادر على تطوير نموذج متقدم في الحوكمة الحكومية يواكب تطلعات الدولة ويعزز ثقة المواطن والمستثمر على حد سواء.
إن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من إدارة الإجراءات إلى إدارة النتائج، ومن تعدد المرجعيات إلى تكامل الأدوار. ولذلك فإن تعزيز الحوكمة المؤسسية لم يعد خياراً تنظيمياً، بل ضرورة وطنية لضمان نجاح مشروع التحديث الشامل وبناء إدارة عامة أكثر كفاءة وشفافية وجاهزية للمستقبل.