لتتقاطع هذه العناوين المتعددة في فكرة واحدة: فتح قنوات أوسع مع الصين في القطاعات التي ستحدد اقتصاد السنوات المقبلة، من التكنولوجيا والطاقة إلى الصناعة واللوجستيات والمعرفة، اضافة إلى ما اتفق عليه من منح وبرامج تدريب للكوادر الحكومية، تحمل دلالة تتجاوز قيمتها المالية؛ فهي تفتح باباً لبناء معرفة أردنية أعمق بالصين، وباقتصادها ومؤسساتها وطريقة عملها.
قيمة هذه الاتفاقيات يجب أن لا تقاس بعددها ولا بقيمتها على المدى القصير، وإنما بما ستتركه في الاقتصاد الأردني من أثر على المديين المتوسط والطويل، فالمطلوب ألا تبقى الصين في المعادلة الأردنية مصدراً للسلع ومورداً للمشاريع، بل أن تصبح شريكاً في الإنتاج والتكنولوجيا والتصدير.
التعاون مع الصين يمكن للأردن استثمار موقعه الجغرافي، ورأسماله البشري، وشبكة علاقاته التجارية، لفتح مصانع وأسواق جديدة ونقل المعرفة وأدواتها، وتقديم عقد جديد لسلاسل الامداد وممرات التجارة، فنحن نحتاج ما سبق ولا نحتاج مزيدا من الواردات.
هذا التحول في العلاقات الذي يقوده الملك يحدث في لحظة شديدة الأهمية على المسرح الدولي والإقليمي، سياسيا واقتصاديا، أشبه ما تكون بتسعينيات القرن الماضي عند انتهاء الحرب الباردة، لكن هذه المرة نحن أمام تشكل معالم نظام متعدد الأقطاب، ما تزال الولايات المتحدة القطب الأهم والأقوى، لكن هذا لا يمنع وجود حضور قوي لقوى أخرى كالصين، التي تملك حضورا اقتصاديا وتكنولوجيا كبيرا، لم تعد بالنسبة للأردن سوقاً أو مصدراً للسلع فحسب، كما أن الأردن ينبغي أن لا يكون مجرد محطة في شبكة المصالح الصينية.
إذ إن ما يحتاجه الأردن من هذا التقارب المحسوب هو استثمارات إنتاجية، ونقل للتكنولوجيا، وزيادة في الصادرات، وربط للأردن بسلاسل التوريد والأسواق الآسيوية، لتتحول بكين من مجرد وجهة دبلوماسية إلى رافعة لاستراتيجية أردنية أوسع، تجعل من الموقع والاستقرار ورأس المال البشري أدوات لإنتاج قوة اقتصادية وسياسية أكبر.
وإذا ما نجحت الحكومة في تتبع خطى الزيارة الملكية، فإن الاتفاقيات الموقعة في بكين ستتعدى شكل التفاهمات الاقتصادية؛ لتكون خطوة في إعادة تعريف الدور الاقتصادي للأردن في إقليم يتغير بسرعة.
في عالم يتجه إلى تعدد مراكز القوة، تبدو المصلحة الأردنية في تنويع وتوزيع شراكاتنا وهوامش ومساحات المناورة الممكنة لنا، وكذلك في الحفاظ على علاقاتنا الاستراتيجية مع الولايات المتحدة وأوروبا والخليج.