عربي ودولي

المستوطنون يعيثون في الضفة 4113 اعتداءً ضد الفلسطينيين خلال 7 أشهر بزيادة 63%

عنف محمي بالجيش ومسنود بالحكومة

لم تعد اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية والقدس المحتلة مجرد حوادث فردية أو أعمال عنف معزولة، بل تحولت إلى نمط متكرر ومنظم من الإرهاب، يجد بيئة سياسية وأمنية وقانونية توفر له الحماية والإفلات من العقاب. وفي الوقت الذي تعبّر فيه المؤسسة العسكرية الإسرائيلية عن قلقها من وصول الأوضاع إلى «نقطة غليان»، تكشف الوقائع الميدانية أن هذا القلق لا يرتبط بحماية الفلسطينيين بقدر ما يتعلق بتداعيات دولية متزايدة قد تؤدي إلى عزل إسرائيل ونبذها، وتعرقل سياسات الاستيطان والتوسع التي ترعاها الحكومة الإسرائيلية.

وتشير إحصاءات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان إلى تصاعد حاد في اعتداءات المستوطنين خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2026، إذ بلغ عددها 4113 اعتداء، بزيادة نسبتها 63% مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي، التي سجلت 2524 اعتداء. ولم يكن التصاعد منتظماً، إذ بقيت الاعتداءات عند مستويات مرتفعة قبل أن تشهد قفزة كبيرة خلال شهري حزيران وتموز، بواقع 748 و798 اعتداء على التوالي، مقارنة بـ442 و466 اعتداء خلال الشهرين نفسيهما من العام الماضي.

وفي صحيفة «هآرتس»، تناول الكاتب يوعنا غونين حادثتين وصفهما بأنهما تبدوان «روتينيتين» في سياق عنف المستوطنين وجرائمهم، لكنهما أثارتا صدمة أكبر من المعتاد في أوساط الرأي العام الإسرائيلي. تمثلت الأولى في قيام فتى يبلغ 15 عاماً من مستوطنة «أفيغيل» بضرب فلسطيني مبتور الساق بقضيب حديد، فيما تمثلت الثانية في سرقة مستوطنين حماراً يملكه مزارع فلسطيني، وربطه بسيارة من نوع «رينجر» وجرّه حتى الموت.

ويرى غونين أن ما جعل الصورتين تخترقان جدار اللامبالاة هو تجسيدهما الواضح لحالة العجز؛ فالشخص المقعد على عكازين والحمار المربوط بالسيارة يمثلان ضحيتين غير قادرتين على الهرب أو المقاومة، الأمر الذي يكشف بصورة أكثر فجاجة التنمر والعنصرية والإجرام. ويذهب إلى أن هذه الحالات ليست استثناءات، بل إن عجز الضحايا يمثل، في نظره، أحد أساليب الإرهاب الاستيطاني وجزءاً من بنية مشروع الاستيطان ذاته.

وينتقد غونين كذلك الطريقة التي تعامل بها الإعلام الإسرائيلي مع الحادثتين، مستشهداً بتصريحات الإعلامي أفري جلعاد، الذي حاول التمييز بين معاناة الحيوان والإنسان، في محاولة تعكس، بحسب غونين، استمرار تجريد الفلسطيني من إنسانيته حتى في لحظات يفترض أن يكون فيها التعاطف الإنساني هو القاعدة.

ويخلص غونين إلى أن الصدمة الإسرائيلية تجاه مثل هذه المشاهد تتحول سريعاً إلى نوع من «التطهر» الجماعي، عبر التعامل مع الحوادث باعتبارها حالات استثنائية وفظيعة، بما يسمح بعزلها عن السياق العام وتجنب مساءلة المنظومة التي تنتجها. وفي المقابل، يستمر ما يصفه بالتطهير العرقي في الضفة الغربية دون رادع، بينما تواصل مركبات «الرينجر» التي يستخدمها مستوطنون مسلحون، ويحظون بحماية الجيش الإسرائيلي، نشر الخوف في مناطق واسعة من الضفة.

وفي «هآرتس» أيضاً، وصف المحلل السياسي الإسرائيلي جدعون ليفي قائد المنطقة الوسطى في الجيش الإسرائيلي آفي بلوط بـ«الأوبركومندانت»، في إشارة إلى الرتبة العسكرية النازية، ووصفه بـ«جنرال الدم»، معتبراً إياه «مجرم حرب».

وقال ليفي إن بلوط، الذي جاء من بيئة المستوطنات والمدارس الدينية، يوفر الحماية لـ«ميليشيات المستوطنين» ويغض الطرف عن اعتداءاتهم، في وقت يسمح فيه باقتلاع آلاف أشجار الزيتون ومصادرة عشرات آلاف الدونمات وشق طرق غير قانونية لخدمة البؤر الاستيطانية.

وأضاف أن عهد بلوط شهد مقتل فلسطينيين في حادثتين وصفهما بالمذبحتين على يد الجيش الإسرائيلي، من دون أن يقدم أحد للمحاكمة، معتبراً أن تعيين ضابط من هذه الخلفية يعني عملياً أن الجيش «يعين مساعداً للمستوطنين».

ويربط ليفي سلوك بلوط وما يصفه بسياسة الجيش في الضفة الغربية بما تلقاه في المدرسة الدينية من أفكار تقوم على أن اليهود «أسياد الأرض»، وأن للمستوطنين الحق في الإحراق والهدم والاقتلاع والقتل، فيما يُنظر إلى الفلسطينيين باعتبارهم أقل من البشر، ولا حقوق لهم.

وفي مشهد يعكس، وفق الوقائع الميدانية، تداخل السلطة السياسية مع العنف الاستيطاني، أقدم عضو الكنيست تسفي سوكوت، من حزب «الصهيونية الدينية»، على تحطيم نصب تذكاري للشهداء في قرية مادما جنوب نابلس، تحت حماية قوة من الجيش الإسرائيلي وبمشاركة مساعديه.

ونقلت وسائل إعلام إسرائيلية عن سوكوت قوله إنه نفذ عملية التحطيم «بالتنسيق مع الجيش الإسرائيلي»، زاعماً أن النصب يخلد «مسلحين قتلوا إسرائيليين»، فيما أكد سكان القرية أن النصب يخلد شهداء من أبناء القرية قتلهم الجيش الإسرائيلي.

ولا تعد هذه الواقعة الأولى من نوعها لسوكوت، إذ سبق أن ظهر في تسجيل مصور وهو يحطم لافتة مدرسة في البلدة القديمة بالقدس، كما حاول اقتحام مدرسة في قرية طوبا الزنغرية حاملاً منشاراً كهربائياً.

وتنسجم هذه الوقائع مع سياسات الحكومة الإسرائيلية الحالية تجاه الاستيطان والمستوطنين، سواء من خلال تخصيص الميزانيات للبؤر الاستيطانية، أو توزيع مركبات الدفع الرباعي التي تحولت إلى رمز للعنف في الضفة الغربية، أو دمج المستوطنين في أجهزة أمنية رسمية. وتصف هيئة مقاومة الجدار والاستيطان هذه البيئة بأنها «بيئة تمكين سياسي وأمني وقانوني»، بما يوفر للمستوطنين مساحة أوسع لممارسة الاعتداءات ومصادرة الأراضي وفرض الوقائع بالقوة.

ورغم التصريحات الإسرائيلية المتكررة عن القلق من تصاعد عنف المستوطنين وخطر تحوله إلى انفلات أمني، فإن الوقائع تشير إلى استمرار توفير الحماية العسكرية لهم، كما ظهر في حادثة سوكوت، بالتوازي مع تراجع مستوى المساءلة والمحاسبة عن الاعتداءات.

وفي الوقت نفسه، يؤدي جزء من الخطاب الإعلامي الإسرائيلي دوراً في احتواء الصدمة بدلاً من مواجهة جذور المشكلة، من خلال تقديم بعض الاعتداءات باعتبارها حالات استثنائية ومنفصلة عن السياق العام. وبذلك تتحول الإدانة المحدودة لبعض المشاهد الأكثر قسوة إلى وسيلة لتطهير الضمير الجماعي، فيما يستمر العنف اليومي بحق الفلسطينيين.

وبينما يعبر جنرالات إسرائيليون عن خشيتهم من «انفلات» قد يهدد الاستقرار، ويكشف محللون وكتاب إسرائيليون مثل يوعنا غونين وجدعون ليفي عن مظاهر القسوة والعنف والانحدار الأخلاقي، يواصل المستوطنون اعتداءاتهم في ظل دعم سياسي وحماية أمنية، وتستمر سياسات مصادرة الأراضي واقتلاع الأشجار والتوسع الاستيطاني.

وهكذا، لا تبدو جرائم المستوطنين مجرد انفلات فردي خارج عن سيطرة الدولة، بقدر ما تكشف، في سياقها المتراكم، عن منظومة متشابكة من التمكين السياسي والحماية العسكرية والتبرير الإعلامي، تجعل من العنف أداة لفرض واقع جديد على الأرض ودفع الفلسطينيين إلى العجز عن البقاء والمقاومة. وفي ظل غياب مساءلة دولية فاعلة، يستمر هذا المسار الذي يصفه منتقدوه بأنه تطهير عرقي متواصل في الضفة الغربية، دون رادع حقيقي.