9% فقط من إجمالي مساحة القطاع صالحة للحياة والإنتاج
كشفت دراسة أكاديمية حديثة للباحث الاقتصادي الفلسطيني الدكتور رائد حلس، صادرة عن مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات في آب 2026، عن تحولات بنيوية قسرية طالت الجغرافيا الاقتصادية لقطاع غزة خلال حرب الإبادة الجماعية (2023-2025)، وأفضت إلى إعادة تشكيل عميقة للحيز المكاني والقطاعات الإنتاجية، ودفع المجتمع من مستويات الفقر التقليدي إلى انعدام الأمن الغذائي الحاد والمجاعة.
وبحسب الدراسة، أدت خطوط السيطرة العسكرية الإسرائيلية، وفي مقدمتها ما يعرف بـ«الخط الأصفر»، إلى انكماش المساحة القابلة للاستخدام والحياة بنسبة تقارب 64%، بحيث لم يتبقَّ سوى نحو 9% من إجمالي مساحة القطاع صالحة للحياة والإنتاج.
ويمتد الخط، وفق المعطيات التي تستند إليها الدراسة، بعمق يتراوح بين كيلومترين وسبعة كيلومترات على طول القطاع، ما أدى إلى تحويل مساحات زراعية وصناعية حيوية إلى مناطق عازلة ومحظورة.
وتشير التقديرات الميدانية الواردة في الدراسة إلى أن المساحة الفعلية الصالحة للعيش لا تتجاوز نحو 33 كيلومتراً مربعاً، في ظل انكماش مكاني حاد نجم عن اتساع نطاق الدمار وتراجع القدرة الاستيعابية لمختلف مناطق القطاع، بالتزامن مع استمرار عمليات التجريف والهدم وتوسيع المناطق العازلة، التي كان عمقها قبل الحرب يقدّر بنحو 300 متر فقط.
ولم تقتصر تداعيات هذا الانكماش الجغرافي على ظروف السكن، بل امتدت إلى مختلف مفاصل الاقتصاد الفلسطيني، إذ توثق الدراسة تدميراً واسع النطاق للمنظومة الاقتصادية، شمل 96% من الأراضي الزراعية الصالحة للزراعة و92% من المنشآت الاقتصادية، ما أدى إلى شلل شبه كامل في بنية الاقتصاد المحلي.
وفي القطاع الزراعي، الذي كان يشكل إحدى الركائز الأساسية للأمن الغذائي، تضررت أكثر من 67.6% من المساحة الزراعية، فيما دُمّر 52.5% من الآبار الزراعية و44.3% من البيوت البلاستيكية. وقدّرت الدراسة الأضرار المادية المباشرة التي لحقت بالبنية التحتية الزراعية بنحو 1.44 مليار دولار، في حين بلغت الخسائر الاقتصادية غير المباشرة نحو 1.46 مليار دولار.
أما القطاعان الصناعي والتجاري، فلم يكونا بمنأى عن الدمار، إذ تعرضت منشآت صناعية، ولا سيما في المنطقة الصناعية شرق مدينة غزة، لدمار واسع، قدرت خسائره المباشرة بنحو 6.35 مليارات دولار، أي ما يزيد على ثلاثة أضعاف ونصف القيمة الاقتصادية السنوية لهذين القطاعين قبل الحرب. كما تجاوزت الخسائر التشغيلية والأرباح المفقودة 2.48 مليار دولار، بالتزامن مع فقدان أكثر من 100 ألف عامل وظائفهم من أصل نحو 116 ألفاً كانوا يعملون في القطاعين.
وأدى انهيار القدرات الإنتاجية إلى صدمة غير مسبوقة في سوق العمل، إذ ارتفع معدل البطالة من 45.3% عام 2022 إلى 78% عام 2025، فيما تراجعت القدرة الشرائية بنحو 80% وانكمش إجمالي الاستهلاك بصورة حادة. وانعكس هذا الانهيار الاقتصادي مباشرة على مستويات الفقر، التي كانت تتجاوز 63% قبل الحرب، قبل أن ترتفع إلى مستويات غير مسبوقة، في ظل تحول المجاعة إلى واقع ملموس واتساع نطاق انعدام الأمن الغذائي الذي بات سمة رئيسية للحياة اليومية في القطاع.
وتكشف الدراسة كذلك عن أزمة نزوح قسري واسعة النطاق، إذ يعيش نحو ثلثي سكان القطاع، أي قرابة 1.4 مليون شخص، في خيام ومراكز إيواء مكتظة تفتقر إلى الحد الأدنى من الخدمات والحماية. ويتزامن ذلك مع انهيار شبه كامل لمنظومة إدارة النفايات، وتفشي القوارض والأمراض، وانتشار مكبات عشوائية بالقرب من التجمعات السكانية، ما يضاعف المخاطر الصحية والإنسانية التي يواجهها السكان.
وتشير نتائج الدراسة إلى أن هذه التحولات أضعفت بصورة حادة قدرة غزة على تحقيق أي مستوى من الاكتفاء الذاتي، وحوّلت الاعتماد على المساعدات الخارجية إلى ضرورة شبه كاملة، في وقت تعاني فيه سلاسل الإمداد من التعطل، وتشهد مناطق واسعة نقصاً حاداً في الغذاء والاحتياجات الأساسية.
وفي السياق ذاته، أظهرت بيانات «التقييم السريع للأضرار والاحتياجات» (RDNA)، الصادر عن الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والبنك الدولي في نيسان/أبريل 2026، أن احتياجات التعافي وإعادة الإعمار في قطاع غزة خلال العقد المقبل تقدر بنحو 71.4 مليار دولار، فيما بلغت الأضرار المادية التي لحقت بالبنية التحتية نحو 35.2 مليار دولار، وقدرت الخسائر الاقتصادية والاجتماعية بنحو 22.7 مليار دولار. كما أظهرت البيانات تراجع مستوى التنمية البشرية في القطاع بما يعادل 77 عاماً إلى الوراء.
وتخلص الدراسة إلى أن الجغرافيا في غزة لم تعد مجرد فضاء طبيعياً، بل تحولت إلى أداة لإعادة تنظيم الحياة وفق اعتبارات عسكرية وإقصائية. فالخط الأصفر، الذي تجاوز كونه خط تماس ليأخذ شكل ساتر ترابي وأسمنتي متحرك، لم يؤدِّ إلى إغلاق الطرق أمام السكان فحسب، وإنما ساهم في تقليص المجال المتاح للحياة والعمل، وتحويل أراضٍ زراعية خصبة إلى مناطق محظورة، والمنشآت الاقتصادية إلى ركام.
ومع بقاء نحو 9% فقط من مساحة القطاع قابلة للحياة والإنتاج، تواجه غزة تحدياً وجودياً يتجاوز إعادة بناء المنازل والمنشآت، ليطال إعادة بناء اقتصادها ومجالها الحيوي وقدرتها على توفير الغذاء والعمل والخدمات الأساسية لسكانها. وفي هذا السياق، تكتسب الدراسة أهمية خاصة بوصفها محاولة لتوثيق التحولات التي أصابت البنية المكانية والاقتصادية للقطاع، وتقديم رؤية لما يمكن إنقاذه وإعادة بنائه، في ظل ما وصفته مصادر أممية بأنه «أزمة إنسانية غير مسبوقة».