في وقت تتزايد فيه تداعيات التغير المناخي في المنطقة العربية، برز الأردن بما يمتلكه من خبرات علمية وكوادر بشرية ومؤسسات أكاديمية وبحثية، بوصفه نموذجاً يمكن البناء عليه في مواجهة التحديات المناخية والبيئية، رغم ما يواجهه من ارتفاع متسارع في درجات الحرارة وشح في المياه وتراجع في الموارد الطبيعية وتصاعد الضغوط على قطاعات الغذاء والطاقة.
ويؤكد خبراء وباحثون مشاركون في المؤتمر الثاني حول تغيّر المناخ والصحة في المنطقة العربية (CCHAR-II 2026) الذي افتتح أمس في عمان برعاية سمو الأميرة سمية بنت الحسن، أن الأردن لا يقف عند حدود تشخيص آثار التغير المناخي، وإنما يمتلك مقومات علمية يمكن أن تساعده في الانتقال إلى مرحلة أكثر تقدماً، تقوم على إيجاد حلول عملية تربط بين المناخ والصحة والغذاء والمياه والطاقة ضمن منظومة متكاملة.
وقالوا في تصريحات لوكالة الأنباء الأردنية (بترا)، إن الأردن يمتلك فرصة حقيقية لتحويل موقعه الجغرافي وموارده البشرية وقدراته البحثية إلى عناصر قوة، بحيث يصبح التعامل مع المناخ ليس فقط باعتباره أزمة تستوجب المواجهة، وإنما مجالاً لإنتاج المعرفة والابتكار وتطوير الطاقة النظيفة وتحسين الأمن الغذائي والمائي والصحي، وبناء نموذج أكثر قدرة على الصمود أمام مناخ المستقبل.
وقال أستاذ الصحة البيئية في جامعة هارفارد، الدكتور مارك وايس كوف، إن الأردن يمتلك مقدرة حقيقية على التعامل مع التحديات المناخية، مستنداً إلى كوادر بشرية مؤهلة وجامعات وأشخاص يعملون وفق منهج البحث العلمي في فهم التغيرات المناخية والبيئية وآثارها.
وأشار إلى أهمية الربط بين ملفات المناخ والغذاء والصحة والطاقة، باعتبارها عناصر مترابطة لا يمكن التعامل معها بمعزل عن بعضها، معتبراً أن بناء منظومة متكاملة معنية بالمناخ يمكن أن يشكل أساساً أكثر فاعلية للاستجابة للتحديات المستقبلية.
ولفت إلى أن الأردن يعد من أكثر البلدان تأثراً بارتفاع درجات الحرارة، فضلاً عن موقعه في قلب منطقة عربية تواجه متغيرات مناخية متسارعة وعدم استقرار مناخي وشحاً في المياه وتصاعد ظاهرة التصحر، الأمر الذي يجعل التحديات أمامه كبيرة، لكنه في الوقت ذاته يفتح المجال أمام تطوير حلول علمية قابلة للتطبيق.
وأوضح، أن مشاركة الفرق البحثية الأمريكية في المؤتمر، تأتي بهدف الاقتراب من الواقع الأردني، وفهم طبيعة التحديات وتشخيصها بصورة مباشرة، بما يتيح نقل صورة أكثر دقة إلى الجامعات ومراكز البحث والدراسات في الولايات المتحدة، وتشجيعها على توجيه مزيد من الاهتمام والتعاون البحثي نحو الأردن والقضايا المناخية التي تواجهه.
من جانبه، أكد أستاذ الهندسة الزراعية والحيوية في جامعة تكساس إيه آند إم، الدكتور مختار ربيع، أن الأردن كان من أوائل دول المنطقة التي تعاملت مع التغيرات المناخية بطريقة علمية، مستندة إلى المعلومات والأدلة في قراءة المشكلات وتحديد أبعادها.
وقال إن الأردن يمتلك قاعدة بيانات جيدة في مجال المناخ والبيئة، وتمكن من تشخيص جانب كبير من مشكلاته، وهو ما يضعه أمام مرحلة أكثر أهمية تتمثل في الانتقال من التشخيص والدراسة إلى تنفيذ الحلول العملية والفعلية، ولا سيما في قطاعات المناخ والطاقة.
ويرى ربيع، أن امتلاك المعرفة والبيانات يشكلان خطوة أساسية في مواجهة التغير المناخي، إلا أن التحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذه المعرفة إلى سياسات ومشروعات وحلول قادرة على إحداث أثر ملموس في حياة الناس والقطاعات الاقتصادية والإنتاجية.
وأكدت الباحثة في جامعة جامعة كاليفورنيا سان دييغو، ليري لوكي غارسيا، أن مستوى الأبحاث والدراسات التي يقدمها الأردن في مجالات الترابط بين المناخ والطاقة والغذاء والمياه، يعكس جهوداً علمية كبيرة بذلت خلال السنوات الماضية لإبراز هذه القضايا والبحث عن حلول مناسبة لها.
وأشارت إلى وجود فرص حقيقية أمام الأردن للتعامل مع المتغيرات المناخية بطريقة علمية، معتبرة أن التحديات التي تفرضها درجات الحرارة المرتفعة وشح الموارد يمكن أن تتحول، إذا أحسن استثمارها، إلى فرص جديدة في مجال الطاقة النظيفة.
وضربت مثالاً على ذلك بإمكانية الاستفادة من ارتفاع درجات الحرارة ووفرة مصادر الطاقة المتجددة في تطوير قطاعات جديدة، من بينها الهيدروجين الأخضر، بما يعزز قدرة الأردن على تنويع مصادر الطاقة وخلق فرص اقتصادية جديدة، إلى جانب المساهمة في خفض الانبعاثات والتكيف مع الآثار المناخية.
وتتقاطع آراء الخبراء الثلاثة عند نقطة أساسية تتمثل في أن الأردن يمتلك اليوم قاعدة مهمة للانطلاق نحو استجابة مناخية أكثر تكاملاً؛ فالمعرفة العلمية والجامعات والكوادر المتخصصة وقواعد البيانات تمثل عناصر قوة، فيما يشكل الربط بين المناخ والصحة والمياه والغذاء والطاقة الإطار الأوسع لفهم المخاطر والتعامل معها.
خبراء دوليون: الأردن يستند إلى الدراسة والمعرفة في تحويل تحديات المناخ والبيئة إلى حلول مستدامة
06:20 25-8-2026
آخر تعديل :
الثلاثاء