شكّلت التحولات التي شهدتها مدينة عمّان منذ منتصف القرن العشرين، مادة خصبة للمبدعين الأردنيين والعرب، الذين استحضروا في نتاجاتهم الأدبية والفنية صورة المدينة وهي تنتقل من ملامحها التقليدية إلى فضاءاتها الحديثة، بما حملته تلك التحولات من أسئلة تتصل بالذاكرة والهوية والمكان.
جاء ذلك خلال الحوارية التي أقامها منتدى مؤسسة عبد الحميد شومان الثقافي مساء اليوم الإثنين، بعنوان «عمّان في السرد: النثر والشعر والتشكيل»، بمشاركة أستاذ النقد والأدب في جامعة البلقاء التطبيقية الدكتور عماد الضمور، وأستاذ الأدب والنقد الحديث الدكتور راشد عيسى، والفنان التشكيلي والأديب محمد الجالوس، وأدارتها أستاذة الأدب والنقد الحديث الدكتورة لينداء عبيد.
وأكد المشاركون أن المدينة حضرت في النصوص الشعرية والسردية واللوحات التشكيلية بوصفها ذاكرة حية، تتقاطع فيها مشاعر الحنين والفخر والتمرد، فيما تحولت عمّان الواقعية عبر الإبداع إلى مدينة متخيلة تستقر في الذاكرة الثقافية للأردنيين.
وأشاروا إلى أن استعادة عمّان في الأدب والفن تكشف وجوهاً متعددة للمدينة، التي جمعت بين إرثها الحضاري وامتدادها الحداثي، وشهدت تحولات اجتماعية واقتصادية وسياسية وثقافية أسهمت في صياغة هويتها المتجددة.
وقال الدكتور عيسى إن حضور عمّان في الأدب يعود إلى عصور مبكرة، لافتاً إلى أن العصر الأموي شهد حضوراً لافتاً للمدينة في الشعر، حين كانت إحدى النواحي المهمة في بلاد الشام، وورد ذكرها بوصفها مأوى للحبيبة.
ورأى أن عمّان ظهرت منذ القدم كمدينة تمنح العاشق والغريب شعوراً بالأمان، مستشهداً بموقعها المحصّن بين الجبال، وطبيعتها وهوائها وقيم النخوة والكرم التي ارتبطت بها، الأمر الذي جعلها، على مر العصور، موئلاً للقلوب الباحثة عن السلام الداخلي.
وتوقف عيسى عند حضور عمّان في الأغنية الأردنية، مستذكراً أعمالاً ارتبطت بالمدينة، من بينها «صباح الخير يا عمّان» للشاعر حبيب الزيودي، وأغنية «عمّان» التي كتبها علي عبيد الساعي وغناها الفنان الراحل فارس عوض، إلى جانب كلمات سليمان المشيني التي غنتها سميرة توفيق في أغنية «فدوى لعيونك يا أردن»، فضلاً عن عدد من الأوبريتات التي كتبت ولحنت وقدمت في مناسبات وطنية واحتفالية.
من جانبه، قال الدكتور الضمور إن عمّان احتلت موقعاً خاصاً في السرد الأردني، باعتبارها العاصمة ومركز النشاط الاقتصادي وموطن حضارات، إلى جانب تحولها إلى فضاء روائي حمل ذكريات الطفولة والجبال والأحياء والحارات، وأصبح المكان فيها عنصراً فاعلاً في تشكيل الحكاية.
وأوضح أن الروائيين قدموا صوراً متعددة للمدينة، فرسم هاشم غرايبة عمّان الشهبندر والحركة التجارية، وحضر فيها الصراع السياسي عند مؤنس الرزاز، فيما ظهرت مدينة النساء والبيوت والحارات عند سميحة خريس، ومدينة الطبقات الاجتماعية والفقر والهامش عند جمال ناجي.
وأضاف أن عمّان حضرت كذلك بوصفها فضاءً للذاكرة والمنفى الداخلي في روايات إبراهيم نصر الله، فيما أبرزت أعمال جلال برجس أزمة المثقف وصراع الطبقات وفساد القيم، بينما شكلت المدينة مصدر إلهام لشخصية جنوبي بن سمعان في رواية «جنوبي» للروائي رمضان الرواشدة، بما حملته من حديث عشقي عن عمّان وعمق وطني واضح.
ولفت الضمور إلى أن تداخل الأبعاد الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية في تكوين عمّان جعل سؤال الهوية من أبرز الأسئلة التي طرحتها صورتها الروائية، خصوصاً مع التحولات المتلاحقة التي مرت بها المدينة وأصبحت جزءاً من ذاكرتها وهويتها.
كما تناول العلاقة الروحية بين عمّان والقدس في الرواية الأردنية، بوصفهما مدينتين عربيتين تتصلان اتصالاً وجدانياً عميقاً، مستشهداً بروايات «ترانيم الغواية» لليلى الأطرش، و«النهر لن يفصلني عنك» لرمضان الرواشدة، و«زمن الخيول البيضاء» لإبراهيم نصر الله، و«ظلال القطمون» لإبراهيم السعافين، و«الزوبعة» لزياد القاسم.
وفي الجانب التشكيلي، بيّن الفنان الجالوس أن حضور عمّان في الفن التشكيلي الأردني يمكن قراءته من مستويين؛ الأول يتمثل في رسم المدينة كما هي، ببيوتها القديمة والحديثة وشوارعها ومساحاتها الخضراء التي تقلصت تدريجياً أمام التوسع العمراني.
وأشار إلى أن عمّان في بدايات تأسيس المملكة كانت تمتد في مساحات واسعة تحيط بسيل عمّان القديم، الذي كان أشبه بنهر صغير غزير المياه في الشتاء، مبيناً أن هذه الصورة استقطبت عدداً من الفنانين الذين وثقوا المدينة الوادعة في أعمالهم، سواء من الفنانين الزائرين أو من المواهب الشابة في مرحلة التأسيس.
أما المستوى الثاني، بحسب الجالوس، فيتصل بتأثير طبوغرافيا المدينة وجبالها السبعة في بنية اللوحة الأردنية، إذ لم يكتف الفنانون بنقل عمّان كما هي، بل استلهموا شكلها وألوانها وتكويناتها، لتظهر المدينة في أعمالهم بصورة غير مباشرة، وكأنها تتسلل إلى اللوحة من خلال بنائها وتفاصيلها.
واستذكر الجالوس عدداً من الفنانين الذين تناولوا عمّان في أعمالهم، من بينهم جورج عليف، وسلام كنعان، ونبيل عناني، وعصام طنطاوي، وعلي الجابري، وعمار خماش، وصالح أبو شندي، ورفيق اللحام، ومهنا الدرة، إلى جانب تجربته الفنية في استلهام المدينة.
وأكد المشاركون في الحوارية أن عمّان لم تعد مجرد مكان جغرافي في الأدب والفن، بل أصبحت شخصية وذاكرة وفضاءً إنسانياً تتعدد قراءاته، وتتشكل صورته بتعدد التجارب والأجيال، لتبقى المدينة حاضرة في النص والقصيدة واللوحة، بوصفها شاهداً على تحولات المجتمع الأردني ومرآة لذاكرته الثقافية.
عمّان في السرد.. مدينة تتشكل بين ذاكرة المكان وتحولات الحداثة
08:35 24-8-2026
آخر تعديل :
الاثنين