د.تشن تسي شي كلية دراسات البلدان والمناطق في جامعة شمال غربي الصين
د.أ. لي شي مركز الدراسات الأردنية بكلية اللغات الأجنبية في جامعة شمال غربي الصين للعلوم التطبيقية
لا تعتبر زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني إلى الصين محطة دبلوماسية تقليدية، فقد تميزت بتركيز واضح على الصناعة والقطاعات الجديدة. فمن لقاءات جلالته مع شركات في مجالات الدواء والزراعة والروبوتات، إلى الاطلاع على تقنيات النقل الجوي المتقدم والخدمات اللوجستية الذكية، ثم الاجتماعات مع ممثلي قطاعات الطاقة والتعدين والغذاء والصناعات المتقدمة، كل هذه برزت رسالة واضحة: الأردن لا يريد أن تبقى علاقته الاقتصادية مع الصين محصورة في استيراد السلع، بل يسعى إلى جذب الاستثمار والتكنولوجيا والقدرات الإنتاجية إلى المملكة.
هذا التحول يفتح المجال أمام انتقال التعاون الأردني الصيني من التجارة التقليدية إلى الاستثمار الصناعي والتصنيع المحلي. فالصين شريك تجاري رئيسي للأردن، لكن قيمة المملكة لا ينبغي أن تُقاس بحجم سوقها المحلية وحدها، بل بقدرتها على الربط بين أسواق متعددة وتحويل موقعها واتفاقياتها التجارية إلى منصة للإنتاج والتصدير.
ويمنح الموقع الجغرافي للأردن هذه الإمكانية، فالمملكة تقع في ملتقى الخليج وبلاد الشام والبحر الأحمر، فيما يشكل ميناء العقبة منفذاً مهماً للأسواق الإقليمية والدولية. كما تعزز هذه الميزة شبكة واسعة من الاتفاقيات التجارية، من منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى واتفاق أغادير، إلى اتفاقيات التجارة الحرة مع الولايات المتحدة وكندا وسنغافورة، وترتيبات تجارية مع أوروبا مما يتيح للمنتجات تجاوز الحواجز الجمركية. وهذا يعني أن الاستثمار في الأردن لا يستهدف السوق الأردنية فقط، بل يمكن أن يفتح أبواباً لأسواق أكبر.
ويضاف إلى ذلك عامل الاستقرار، الذي أصبح في بيئة إقليمية مضطربة عنصراً اقتصادياً لا يقل أهمية عن حجم السوق. فالصناعة تحتاج إلى استثمارات طويلة الأجل، وسلاسل توريد مستقرة، وبيئة أعمال قابلة للتنبؤ. وهنا يستطيع الأردن أن يجمع بين الاستقرار، والموقع، والموارد البشرية المؤهلة، والانفتاح التجاري، لتحويل هذه العناصر إلى فرص استثمارية تخلق وظائف وتزيد الصادرات.
أما القطاعات للتعاون، فتشمل التعدين والأسمدة والصناعات التحويلية المرتبطة بالفوسفات والبوتاس، بما يسمح بزيادة القيمة المضافة داخل الاقتصاد الأردني. كما تمتلك الصناعات الدوائية والغذائية والزراعية فرصاً مهمة، خاصة في مجالات التصنيع المشترك، ونقل التكنولوجيا، والمعدات الطبية والزراعية، والري الموفّر للمياه. ويمكن أيضاً البدء تدريجياً في مجالات التكنولوجيا الخضراء والصناعات المتقدمة، من خلال المشاريع التطبيقية والبحث المشترك والتجميع المحلي، خاصة في الطاقة الشمسية وتخزين الطاقة والمعدات الكهربائية.
لكن تحويل الأردن إلى منصة إقليمية للتصنيع والتصدير لن يحدث تلقائياً. فالتحدي الحقيقي هو تحويل زخم الزيارة إلى مشاريع قابلة للتنفيذ ومستدامة ومجدية تجارياً. والقيمة الحقيقية لأي استثمار صيني جديد ستكون في قدرته على الإنتاج داخل المملكة، والتصدير منها، وتوفير الوظائف، ونقل المعرفة.
وعندها لن يكون السؤال فقط: ما حجم السوق الأردنية؟ بل: إلى كم سوقاً يستطيع الأردن أن يصل، وكم فرصة تنموية يستطيع أن يحول هذا الاتصال إلى واقع داخل المملكة؟