محليات > العاصمة

أم الجمال.. تجمع سكني حوراني عَزّز حضور الأردن العالمي

تختزن سبعة قرون من التاريخ

تتوسط محافظة المفرق واحدة من أهم الشواهد الأثرية التي تجسد تاريخ منطقة حوران وتحولاتها الحضارية والدينية عبر قرون، إذ يمثل موقع أم الجمال الأثري نموذجا متكاملا لمستوطنة ريفية قديمة، امتد الاستيطان فيها لأكثر من سبعة قرون، بدءا من أواخر القرن الأول الميلادي وحتى القرن الثامن الميلادي.

وتقع أم الجمال على بعد نحو (٢٥) كيلومترا شرقي المفرق، وتعد من أكبر المستوطنات الريفية القديمة في جنوب حوران، التي تمتد جغرافيا بين جنوب سوريا وشمال الأردن، بما تتميز به من عمارة بازلتية فريدة، وشبكات مائية ومنشآت سكنية ودينية وعسكرية تعكس طبيعة الحياة التي عاشها سكان المنطقة على امتداد عصور متعاقبة.

وقالت مساعد مدير عام دائرة الآثار العامة، لينا البكار، إن أهمية أم الجمال لا تقتصر على كونها موقعا أثريا غنيا بالمعالم، وإنما تكمن في كونها شاهدا استثنائيا على تطور مجتمع ريفي حوراني حافظ على ملامحه الثقافية والمعمارية رغم التحولات السياسية والدينية التي شهدتها المنطقة عبر قرون.

وأضافت أن الأدلة الأثرية تشير إلى أن الاستيطان في أم الجمال بدأ خلال القرن الأول الميلادي، في إطار توسع مملكة الأنباط باتجاه الشمال، حيث نشأت قرية زراعية صغيرة إلى الجنوب الشرقي من الموقع الحالي، عرفت باسم «الهيري»، وعثر فيها على بقايا قبور ونقوش تعود إلى الفترة النبطية.

وأوضحت البكار أن الموقع دخل تحت السيطرة الرومانية عام (١٠٦) ميلاديا، وألحق بالمقاطعة العربية التي كانت مدينة بصرى عاصمتها الإدارية، وشهد خلال تلك الفترة إنشاء عدد من المنشآت المهمة، من أبرزها البوابة الغربية المعروفة باسم «بوابة كومودوس»، ومقر الحاكم الإداري، وأجزاء من سور الموقع، إضافة إلى خزان المياه المركزي.

وبينت أن أم الجمال تعرضت في نهاية القرن الثالث الميلادي للتدمير نتيجة الصراع بين الرومان ومملكة تدمر، قبل أن تبدأ عملية إعادة بنائها تدريجيا خلال الفترة الرومانية المتأخرة، حيث شيد الحصن في الجهة الشرقية من الموقع، لتتحول أم الجمال إلى محطة عسكرية رومانية وجزء من منظومة دفاعية حدودية محصنة خلال القرنين الرابع والخامس الميلاديين.

وأشارت البكار إلى أن الموقع شهد خلال أواخر القرن الخامس والقرن السادس الميلاديين نشاطا عمرانيا واسعا، تمثل في تشييد العديد من المنازل والمنشآت، من بينها مبنى الثكنة العسكرية، إضافة إلى بناء (١٦) كنيسة، الأمر الذي يعكس تحول أم الجمال من محطة عسكرية إلى بلدة ريفية مزدهرة.

ولفتت إلى أن كنائس أم الجمال تشكل واحدة من أبرز سمات الموقع الأثرية، وتتنوع بين كنائس ذات نظام بازيليكي وأخرى ذات قاعة واحدة، فيما تنتشر ضمن المجمعات السكنية وخارجها، بما يعكس التنوع في التخطيط العمراني والديني للمستوطنة.

وأضافت أن الاستيطان استمر خلال الفترة الأموية في القرنين السابع والثامن الميلاديين، حيث أنشئت أبنية جديدة وأدخلت تعديلات على عدد من المباني القائمة، قبل أن يهجر الموقع لاحقا، وكان من أبرز الأحداث التي ارتبطت بهذه المرحلة الزلزال الذي ضرب المنطقة عام (٧٤٩) ميلاديا.

وأوضحت أن بعض المنشآت أعيد توظيفها في مراحل لاحقة، ومنها المنزل رقم (١١٩) الذي أعيد تأهيله ليضم مرافق للزوار وغرفا للعرض، وأصبح يعرف باسم «بيت الضيافة والتفسير»، فيما حولت الغرفة الكبيرة في المنزل رقم (٥٣) خلال العصور الإسلامية الوسطى أو المتأخرة إلى مسجد أضيفت إليه مئذنة خارجية بسيطة، ويرجح استخدامه من قبل السكان البدو والمسافرين والحجاج العابرين في المنطقة.

وأكدت البكار أن القيمة الأثرية للموقع تتعزز بما يحتويه من مجموعات من المنازل متعددة الطوابق ذات الأفنية الداخلية، والموزعة ضمن ثلاثة أحياء سكنية، إلى جانب الكنائس والمنشآت العسكرية والخزانات والقنوات المائية التي ارتبطت بالنشاط الزراعي المحيط بالمستوطنة.

واوضحت أن شبكة إدارة المياه في أم الجمال تكشف عن قدرة سكان المنطقة على التكيف مع البيئة الجافة، من خلال إنشاء الخزانات والقنوات التي أسهمت في توفير المياه وري الحقول المحيطة، بما يقدم صورة واضحة عن نمط الحياة الريفية في هضبة حوران خلال العصرين البيزنطي والإسلامي المبكر.

وأضافت أن أهمية الموقع العلمية والتاريخية تتعزز كذلك من خلال النقوش المكتشفة فيه، والتي كتبت بلغات متعددة، من بينها اللاتينية واليونانية والنبطية والصفائية والعربية المبكرة، وهي نقوش توفر معلومات مهمة حول تاريخ الموقع والتحولات التي طرأت على سكانه ومعتقداتهم الدينية والثقافية.

وأكدت أن إدراج أم الجمال على قائمة التراث العالمي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو» عام ٢٠٢٤، وفق المعيار الثالث، يمثل اعترافا بالقيمة العالمية الاستثنائية للموقع، بوصفه شاهدا فريدا أو استثنائيا على تقليد ثقافي وحضارة اندثرت أجزاء منها، مع بقاء آثارها وشواهدها حاضرة حتى اليوم.

وقالت إن إدراج أم الجمال يعكس أيضا أهمية العمارة البازلتية التي تميز منطقة حوران، والتي منحت الموقع طابعا معماريا متفردا، إلى جانب تكامل عناصره السكنية والدينية والزراعية والمائية والعسكرية، ما يجعله نموذجا واضحا للتفاعل بين الإنسان والبيئة في المنطقة عبر فترات تاريخية مختلفة.

واكد رئيس لجنة بلدية أم الجمال محمد خليل أبو عليم، أن أم الجمال تبرز اليوم بوصفها سجلا حجريا مفتوحا لتاريخ منطقة البادية الشمالية في محافظة المفرق، تختزن بين مبانيها البازلتية وكنائسها ومنازلها وخزاناتها ونقوشها حكاية مجتمع عاش وتحول وتكيف مع المتغيرات السياسية والدينية والبيئية، لتبقى شاهدة على عمق الإرث الحضاري الذي يحتضنه شمال الأردن.