على مسافة نحو 60 كيلومتراً جنوب العاصمة عمان، تقف أم الرصاص شاهدة على تاريخٍ ضارب في عمق الزمن، تكشف حجارتها وكنائسها وفسيفساؤها عن حضارات تعاقبت على المكان وتركت إرثاً استثنائياً ما زال حاضراً حتى اليوم. هنا، في واحدة من أهم محطات التاريخ الأثري الأردني، تتجاور بقايا الحصن الروماني مع الكنائس البيزنطية وبرج الناسك، لتروي قصة مدينة ازدهرت على طرق القوافل وتحولت إلى مركز ديني وعمراني بارز.
ولم تكن قيمة أم الرصاص محلية فحسب، إذ توّجت مكانتها بإدراجها عام 2004 على قائمة التراث العالمي لليونسكو، لتكون ثالث موقع أردني ينضم إلى القائمة بعد البترا وقصير عمرة، مؤكدةً أن الأردن ليس مجرد جغرافيا عابرة، بل أرض تختزن في حجارتها صفحات متعاقبة من تاريخ المنطقة والعالم.
وقال مدير آثار أم الرصاص حمادة المور إن الموقع يمثل نموذجاً مهماً لتنوع الحضارات التي تعاقبت على الأردن، مشيراً إلى أن التنقيبات الأثرية كشفت عن وجود استقرار بشري في المنطقة منذ عصور موغلة في القدم، فيما اكتسب الموقع أهمية خاصة خلال الفترة الرومانية، عندما أُقيم فيه حصن عسكري عُرف باسم «كاسترون ميفعة»، اي حصن ميفعة وبهدف لحماية طرق القوافل وتأمين الحركة التجارية في المنطقة وقاعدة عسكرية رومانية متقدمة.
وتعكس حركة الزوار أهمية الموقع على خريطة السياحة الثقافية والأثرية، إذ كان يرتادة اعداد كبيرة من الزوار يصل إلى اكثر من 25 ألف زائر خلال خلال الأعوام السابقة ولكن مع الأحداث المحيطة في المنطقة انخفض اعداد الزوار بشكل كبير إذا حيث سجل في النصف الاول من هذا العام تقريبا 6 الاف زائر ولكن برنامج اردنا جنة ساهم بزيادة وتنشيط الحركة السياحية المحلية.
ويستقطب الموقع زواراً من جنسيات مختلفة من أنحاء العالم، وتأتي الجنسية الإيطالية في مقدمة الجنسيات الزائرة، إلى جانب أعداد من دول الاتحاد الأوروبي وغيرها. وأوضح أن أم الرصاص شهدت خلال الفترة البيزنطية مرحلة مهمة من التطور العمراني والديني، حيث شُيدت فيها المنازل والكنائس والمباني العامة، وتحولت إلى مركز ديني بارز في المنطقة، لافتاً إلى أن آثار المدينة تنقسم إلى ثلاث أقسام رئيسية؛ الأول داخل الحصن الروماني المحاط بأسوار قوية، ويضم بقايا عدد من الأبراج والكنائس، فيما يمتد القسم الثاني إلى شمال الحصن ويضم مجموعة كبيرة من الكنائس والمباني ومعصرة للعنب والقسم الثالث في أقصى الشمال من الموقع وهو البرج الأثري الذي يرتفع 14مترا والخاص بأمور دينية.
ويحتوي الموقع يحتوي على بركة ماء رئيسية ومقالع للحجر المستخدم في البناء. وبيّن المور أن الموقع يضم نحو 16 كنيسة، تشكل بمجملها نموذجاً مهماً للعمارة الدينية خلال الفترة البيزنطية، وتتميز العديد منها بأرضيات فسيفسائية غنية بالرسومات والنقوش والرموز الدينية والحياتية.
وتبرز من بينها كنيسة القديس إسطفانوس، التي تعد من أكبر وأهم الكنائس المكتشفة في الأردن، وتحتوي أرضيتها على فسيفساء ذات قيمة فنية وتاريخية استثنائية.
وأشار إلى أن فسيفساء كنيسة القديس إسطفانوس تتميز بتوثيق عدد من المدن والمناطق في الأردن وفلسطين ومصر، إلى جانب مشاهد للحياة اليومية والصيد والرعي والزراعة، فضلاً عن النقوش الكتابية باللغة اليونانية التي تتضمن أسماء متبرعين وفنانين وبناة، الأمر الذي يمنحها أهمية كبيرة في دراسة تاريخ المنطقة خلال تلك المرحلة. ولفت المور إلى أن «برج الناسك» يعد من أبرز المعالم الأثرية في أم الرصاص، ويرجع بناؤه إلى القرن السادس الميلادي، ويصل ارتفاعه إلى نحو 14 متراً، ويمثل نموذجاً نادراً لتقاليد الزهد والرهبنة التي عرفتها المنطقة خلال الفترة البيزنطية. وأضاف أن أم الرصاص تضم مجموعة أخرى من الكنائس ذات الخصائص المعمارية والفنية المميزة، من بينها كنائس الأسقف سرجيوس، والأسود، والكاهن وائل، والأنهار، والنخيل، والقديس بولس والطاووس، إضافة إلى كنيسة الباحة وكنائس أخرى، حيث تكشف أرضياتها الفسيفسائية عن مستوى متقدم من الفن والحرفية لدى سكان المنطقة آنذاك. وأوضح أن ندرة مصادر المياه في أم الرصاص دفعت سكانها قديماً إلى ابتكار وسائل لجمع مياه الأمطار، من خلال إنشاء البرك والآبار، وهو ما يعكس قدرة المجتمعات التي عاشت في المنطقة على التكيف مع طبيعتها شبه الصحراوية واستثمار الموارد المتاحة.
وأكد المور أن إدراج الموقع على قائمة التراث العالمي لليونسكو عام 2004 جاء تقديراً لقيمته العالمية الاستثنائية، ولما يحتويه من عناصر معمارية وفنية ودينية تعكس مرحلة مهمة من تاريخ البشرية.
وأشار إلى أن هذه المكانة الدولية تضع مسؤولية كبيرة على الجهات المعنية في مجال حماية الموقع وصون آثاره وتعريف الزوار بقيمته التاريخية، مؤكداً أن أم الرصاص لا تمثل مجرد مجموعة من المباني الأثرية، وإنما تشكل سجلاً مفتوحاً لتاريخ المنطقة، بما تحمله من شواهد على التفاعل الحضاري والديني والفني.
أم الرصاص.. كنز فسيفسائي حضاري يتوّج ذاكرة المكان
12:01 23-8-2026
آخر تعديل :
الأحد