محليات > العاصمة

من «الترند» إلى القرار.. كيف يصنع التضليل رأياً عاماً؟

مواجهته مسؤولية مشتركة بين الإعلام والمنصات والتعليم

خبراء: التضليل الرقمي يسهم في تشكيل وعي غير حقيقي لدى الجمهور
لم تعد صناعة الوعي في زمن المنصات الرقمية حكراً على وسائل الإعلام التقليدية، إذ بات منشور واحد على منصة تواصل اجتماعي، أو صورة مفبركة، أو مقطع فيديو جرى التلاعب به، قادراً خلال دقائق على الوصول إلى آلاف الأشخاص والتأثير في مواقفهم وانطباعاتهم، بل ودفعهم أحياناً إلى اتخاذ قرارات مبنية على معلومات غير صحيحة. وفي ظل الانتشار المتسارع لتطبيقات الذكاء الاصطناعي، أصبح التمييز بين الحقيقة والتزييف أكثر صعوبة، ما يضع المجتمع أمام تحدٍ متزايد يتمثل في حماية وعيه من التضليل.
فقد يبدأ الأمر بمنشور يحمل خبراً غير دقيق أو صورة قديمة يجري تقديمها على أنها حدثت للتو، ثم يتولى مستخدمون إعادة نشرها وتداولها على نطاق واسع، لتتحول خلال وقت قصير إلى مادة يتعامل معها الجمهور باعتبارها حقيقة. وفي حالات أخرى، قد يكون مقطع فيديو مفبركاً أو جرى إخراجه من سياقه كفيلاً بإثارة الغضب أو الخوف أو التعاطف، خصوصاً إذا ارتبط بقضية تمس حياة الناس أو مصالحهم اليومية.
مدير مرصد مصداقية الإعلام الأردني «أكيد» الدكتور بركات الزيود، قال إن انتشار الأخبار المضللة والتزييف الحي للأخبار والصور والمقاطع المصورة يتسبب في تشكيل وعي غير حقيقي تجاه مختلف القضايا التي تهم الرأي العام، مشيراً إلى أن ذلك يترافق أحياناً مع رفض فطري لنقل النفي الموثوق لهذه الأخبار، فيما يستمر تداول المعلومات المزيفة.
وأوضح أن هذا الواقع يؤدي إلى تشكل وعي زائف يمكن أن يخدم جهات وأجندات مختلفة، الأمر الذي يتطلب بثاً متواصلاً للرسائل الإعلامية القادرة على الحد من انتشار المعلومات الزائفة وتصحيحها.
وأشار الزيود إلى أن نقل الأخبار الكاذبة بصورة يومية يؤثر في قرارات الفرد والجماعة، ويسهم في خلق حالة من السلبية في المزاج العام، ما يجعل التدفق المستمر للمعلومات الموثوقة، خصوصاً عبر المنصات الرقمية، ضرورة أساسية لمواجهة التضليل.
وبيّن أن الأردن يواصل منذ نحو عشر سنوات بناء منظومة متكاملة لتعزيز الوعي المجتمعي بمخاطر تزييف الوعي، من خلال إطلاق استراتيجيتين للدراية الإعلامية والمعلوماتية تمتدان حتى عام 2029، إلى جانب إدخال مفاهيم التربية الإعلامية في المدارس واستهداف طلبة الجامعات والشباب عبر وزارة الشباب، معتبراً أن هذه الجهود من شأنها الحد من تأثير التضليل على المجتمع.
وأكد أن التربية الإعلامية، إلى جانب تطبيق نصوص القانون المتعلقة بالأخبار الكاذبة وتداولها، تشكل من أبرز الأدوات الفاعلة في مواجهة تزييف الوعي وحماية المجتمع من آثاره.
من جهته، قال أستاذ الإعلام الرقمي في جامعة العلوم التطبيقية الخاصة الدكتور كامل خورشيد إن تطبيقات الذكاء الاصطناعي الحديثة أظهرت ما يعرف بـ«التزييف العميق»، باعتباره شكلاً جديداً من التضليل الإعلامي الرقمي لم يكن معروفاً بالصورة الحالية في القرن الماضي.
وأوضح أن تقنيات الذكاء الاصطناعي جعلت المشهد أكثر تعقيداً، إذ أصبح من الصعب على المشاهد أو المتابع تحديد أين تنتهي الحقيقة وأين يبدأ المحتوى المزيف أو المصطنع، مشيراً إلى أن النتيجة الأخطر تتمثل في تراجع الثقة بالمحتوى الإعلامي المنشور على منصات التواصل الاجتماعي نتيجة ما يظهر من تزييف وفبركة وإرباك للمشاهد.
وأضاف أن هذا الواقع يؤثر في قدرة الجمهور على اتخاذ القرار الصائب أو ما يمكن وصفه في المجال الإعلامي بـ«القرار الرشيد»، لافتاً إلى أن الصراع على تشكيل الرأي العام والإدراك العام أصبح في بعض الأحيان أكثر تأثيراً من الصراع على الحقائق نفسها.
وأشار خورشيد إلى أن التضليل الرقمي والإلكتروني والتزييف العميق أسهم في تحويل المعلومات الكاذبة إلى محتوى يبدو أمام الجمهور وكأنه حقيقة، في ظل بيئة رقمية تكرر الصور والمعلومات الزائفة، بما يؤدي إلى تكوين تصور مشوه عن الواقع.
وفيما يتعلق بالأدوات الأكثر فاعلية لمواجهة هذا النوع من التضليل، أكد خورشيد أن البداية تكون من الدراية الإعلامية والمعلوماتية، أو ما يعرف بالتربية الإعلامية والمعلوماتية، موضحاً أن الأردن انتبه إلى أهمية هذا المجال منذ أكثر من عقد، وأسهم في بناء ثقافة ونظريات ومناهج مرتبطة بالتربية الإعلامية.
وقال إن الحاجة اليوم تتمثل في تفعيل هذه المفاهيم بصورة أكبر في المدارس والجامعات، بحيث يتعلم الفرد كيفية تلقي المعلومة وفحصها، والتأكد من مصدرها، وفهمها ضمن سياقها، والتمييز بين الصورة الحقيقية والمفبركة، والبحث عن الدليل قبل مشاركة المعلومة أو نشرها أو تصديقها.
وأكد أهمية توفير بيئة مهنية وصحفية وتعليمية جيدة ومتنورة وشفافة، إلى جانب الاستفادة من البرامج التقنية والرقمية التي أصبحت قادرة على المساعدة في التحقق من الأخبار والصور ومقاطع الفيديو، والكشف عن بعض مؤشرات التزييف ومراحل تداول المحتوى ومصدره الأول.
ولفت إلى أن منصات التواصل الاجتماعي نفسها، مثل فيسبوك وإنستغرام وواتساب ومنصة «إكس»، تتحمل مسؤولية مجتمعية في تعزيز المصداقية ومكافحة المحتوى المضلل الذي ينشر عبرها.
وشدد على أن المسؤولية لا تقع على جهة واحدة، وإنما تشمل الإعلاميين والصحفيين وصناع المحتوى والأكاديميين والمربين، مؤكداً ضرورة الانتقال بالجمهور من مجرد القدرة على تمييز المحتوى المزيف من الحقيقي إلى امتلاك مهارة التفكير والتحقق.
وقال إن التفكير النقدي يمثل خط الدفاع الأول في مواجهة تزييف الوعي، لأنه لا يكتفي بسؤال الجمهور عما إذا كانت المعلومة صحيحة أو خاطئة، وإنما يدفعه إلى التساؤل عن مصدرها ودليلها وسياقها والغاية من نشرها.
بدوره، قال أستاذ الإعلام الرقمي في جامعة العلوم التطبيقية الخاصة الدكتور صدام المشاقبة إن الأخبار المضللة والمحتوى المفبرك قادران على التأثير بدرجة كبيرة في وعي الجمهور، خصوصاً عندما تتوافق المعلومات المتداولة مع قناعاته المسبقة أو أهوائه أو خلفيته الثقافية.
وأوضح أن الخطر لا يقتصر على تصديق معلومة خاطئة، وإنما يمتد إلى تشكيل مواقف واتجاهات وقرارات مبنية على معلومات غير صحيحة، ما يجعل التضليل المعلوماتي تحدياً حقيقياً على المستوى المحلي والعربي والعالمي.
وأكد المشاقبة أن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب بناء عقل نقدي لدى الجمهور يمتلك القدرة على تفكيك المعلومات المضللة ومساءلتها والتحقق من مصادرها قبل قبولها أو تداولها، مشيراً إلى أهمية تعزيز مبادئ التربية الإعلامية ليصبح الفرد قادراً على تقييم المعلومة وفق معايير واضحة، أبرزها المصدر والمصداقية والأدلة والسياق، بدلاً من التعامل معها لمجرد أنها منتشرة أو تتوافق مع قناعاته.
وبيّن أن بناء منظومة فعالة لحماية الجمهور يبدأ من المدرسة والجامعة، من خلال تعزيز التربية الإعلامية والرقمية وتنمية مهارات التفكير النقدي والتحقق من المعلومات، إلى جانب حملات توعوية مستمرة وقوانين وسياسات تحد من انتشار المحتوى المضلل، مع التركيز على تمكين الجمهور بدلاً من الاكتفاء بمواجهة التضليل بعد انتشاره.
وأشار إلى أهمية توفير بيئة معلومات موثوقة يستطيع الجمهور الرجوع إليها بسهولة، من خلال وسائل إعلام مهنية ومصادر حكومية ومؤسسات مجتمع مدني تقدم المعلومات والبيانات الدقيقة في الوقت المناسب، مؤكداً أنه كلما كانت المعلومة الصحيحة متاحة وواضحة وموثوقة، تراجعت المساحة التي يمكن أن تتحرك فيها الشائعات والمعلومات المضللة.
وبين سرعة انتشار المنشور وقدرته على صناعة الانطباع، وبين صعوبة تصحيح المعلومة بعد ترسخها في أذهان الجمهور، تبدو معركة الوعي اليوم مختلفة عن السابق؛ فالمعلومة لم تعد تنتظر وصولها إلى الجمهور عبر مصدر واحد، بل يمكن أن تنتشر من هاتف إلى آخر خلال دقائق. ومن هنا، فإن حماية المجتمع لا تبدأ فقط عند ظهور الخبر الكاذب، وإنما تبدأ قبل ذلك، ببناء فرد يسأل ويتحقق ويفكر، وإعلام يسابق الشائعة بالمعلومة الموثوقة، ومنصات تتحمل مسؤوليتها في الحد من انتشار التضليل. فكلما ارتفعت قدرة المجتمع على التفكير النقدي والتحقق، ضاقت المساحة أمام من يحاول صناعة واقع زائف عبر شاشة هاتف.