كتاب

الدلالات السياسية والاقتصادية لزيارة جلالة الملك إلى الصين

تحمل زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني إلى الصين دلالات سياسية واقتصادية تتجاوز إطار العلاقات الثنائية، وتعكس توجهاً أردنياً نحو تنويع الشراكات الاقتصادية، والاستفادة من التحولات الجارية في موازين الاقتصاد العالمي، بما يخدم المصالح الوطنية ويعزز قدرة المملكة على مواجهة التحديات الإقليمية والدولية.
وتأتي الزيارة امتداداً لتحركات جلالة الملك مع بريطانيا ودول أوروبا والخليج العربي، لكنها تتميز بتركيزها على واحدة من أكبر القوى الاقتصادية والصناعية والتكنولوجية في العالم. فالصين تمتلك خبرات واسعة في تطوير البنية التحتية، والصناعات المتقدمة، والطاقة، والنقل، والخدمات اللوجستية، والاتصالات، والتجارة الإلكترونية، وهي مجالات تتقاطع بصورة مباشرة مع أولويات التحديث الاقتصادي في الأردن.
وتشير الزيارة إلى أن الأردن لا يسعى إلى استبدال تحالفاته التقليدية أو تغيير موقعه السياسي، وإنما إلى بناء شبكة أوسع من الشراكات المتوازنة. فالاتفاقيات الدفاعية والتجارية مع الولايات المتحدة وأوروبا تمثل ركائز مهمة للأردن، إلا أن الاستفادة الاقتصادية منها على نحو أكبر تحتاج إلى قاعدة إنتاجية محلية، واستثمارات جديدة، وقدرات صناعية وتكنولوجية قادرة على إنتاج سلع وخدمات منافسة تدخل تلك الأسواق.
ومن هنا تبرز أهمية التعاون مع الصين في الانتقال من العلاقة التجارية القائمة على الاستيراد إلى شراكة إنتاجية واستثمارية تقوم على توطين الصناعات، ونقل المعرفة والتكنولوجيا، وتدريب الكفاءات الأردنية، وإنشاء مشروعات مشتركة موجهة إلى التصدير. فالمطلوب أن تكون الاستثمارات الصينية داخل الأردن جزءاً من منظومة اقتصادية متكاملة، وليس مجرد مشروعات منفصلة أو قصيرة الأجل.
ويمتلك الأردن عناصر يمكن البناء عليها في هذا المسار، أبرزها موقعه الجغرافي، واستقراره السياسي والأمني، واتفاقيات التجارة الحرة التي تربطه بأسواق كبيرة، إلى جانب الكفاءات البشرية المؤهلة والمناطق التنموية والحرة. وتتيح هذه العناصر للصناعات والاستثمارات الصينية فرصة استخدام الأردن قاعدة للوصول إلى أسواق الولايات المتحدة وأوروبا والخليج والمنطقة، مقابل استفادة الأردن من فرص العمل والتكنولوجيا وزيادة الصادرات ورفع القيمة المضافة.
كما تحمل الزيارة رسالة بأن الأردن يعمل على تجاوز أثر الأعباء الجيوسياسية المحيطة به، وتحويل موقعه من منطقة متأثرة بالأزمات إلى مركز للإنتاج والنقل والخدمات. ويعتمد نجاح هذا التوجه على قدرة المؤسسات الوطنية على متابعة مخرجات الزيارة وتحويل التفاهمات إلى برامج ومشروعات قابلة للتنفيذ.
وبذلك، تؤسس زيارة جلالة الملك إلى الصين لمسار اقتصادي جديد عنوانه تنويع الشراكات، وربط رأس المال والخبرة الصينية بالموقع الأردني والاتفاقيات التجارية التي تتمتع بها المملكة، لتصبح المملكة قاعدة استثمار وإنتاج وبوابة تربط الصين بأسواق المنطقة وأوروبا والولايات المتحدة.