1.234 وحدة استيطانية في منطقة «E1» الاستراتيجية شرق القدس
في تطور يوصف بأنه من أخطر التحركات الاستيطانية الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة خلال عقود، طرحت الحكومة الإسرائيلية عطاءً لبناء 1,234 وحدة استيطانية في منطقة E1 الاستراتيجية شرق القدس المحتلة، في خطوة تتعارض مع تعهد رسمي قدمته نيابة الدولة الإسرائيلية لمقدمي التماسات قضائية لا تزال منظورة أمام المحكمة المركزية في القدس.
وجاء طرح العطاء خلافاً لما أبلغت به نيابة الدولة الجمعيات الحقوقية الإسرائيلية «عير عميم» و«بمكوم» و«السلام الآن» في 19 يوليو الماضي، إذ أكدت حينها أنه لا يُتوقع نشر أي عطاءات مرتبطة بمشروع E1 خلال الشهرين أو الأشهر الثلاثة التالية، مع الالتزام بإبلاغ مقدمي الالتماسات مسبقاً في حال تغير موقف الدولة وقررت المضي في المشروع.
وقالت المنظمات الثلاث، في بيان مشترك، إن طرح العطاء يمثل تراجعاً واضحاً عن التعهد الحكومي، ويشكل «خرقاً فاضحاً للثقة» ويقوض مبدأ حسن النية الذي يفترض أن يحكم علاقة الدولة بالأطراف في الإجراءات القضائية.
وأضافت أن العطاء، الذي يشمل نحو نصف الوحدات المصادق عليها ضمن المشروع والبالغ عددها 3,401 وحدة، يمثل انتقالاً نوعياً من مرحلة التخطيط والتجميد التي استمرت أكثر من ثلاثة عقود إلى مرحلة التنفيذ الفعلي على الأرض، محذرة من أن الخطوة ستخلق وقائع جغرافية وسياسية يصعب التراجع عنها.
ومن المقرر استمرار باب العطاءات حتى 5 تشرين الأول 2026، في فترة تتزامن مع الاستعدادات للانتخابات الإسرائيلية المقبلة، الأمر الذي يزيد، بحسب المنظمات، من المخاوف بشأن تسريع تنفيذ المشروع قبل اكتمال المسار القضائي المتعلق به.
ويعود مشروع E1 إلى تسعينيات القرن الماضي، عندما طرحت فكرة إقامة تواصل استيطاني بين مستوطنة «معاليه أدوميم» والقدس المحتلة عبر منطقة واسعة شرق المدينة.
وفي عام 1999 صودق على المخطط الشامل للمشروع، الذي تضمن خططاً فرعية لمناطق صناعية وخدمات وسياحة ومركز للشرطة، إلا أن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة امتنعت عن تنفيذه بصورة كاملة طوال أكثر من ثلاثة عقود، في ظل المعارضة الدولية الواسعة والمخاوف من تداعياته على إمكانية إقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافياً.
وتكتسب منطقة E1 أهميتها من موقعها الجغرافي، فهي تقع على مسافة قريبة من البلدة القديمة في القدس، وتمتد على مساحة واسعة من الأراضي الواقعة بين القدس ومستوطنة «معاليه أدوميم»، وتشمل مناطق في محيط الطور والعيسوية وعناتا، وتشكل ممراً استراتيجياً باتجاه الأغوار.
ويرى الفلسطينيون والمجتمع الدولي أن هذه المنطقة تمثل بوابة جغرافية أساسية للتواصل بين شمال الضفة الغربية وجنوبها، فضلاً عن كونها جزءاً محورياً من أي تصور مستقبلي لتوسيع القدس الشرقية وربطها بمحيطها الفلسطيني.
وبحسب المنظمات الحقوقية الإسرائيلية، فإن تنفيذ المشروع سيعزز التواصل الاستيطاني بين «معاليه أدوميم» والقدس، بما يؤدي عملياً إلى عزل القدس الشرقية عن محيطها الفلسطيني وعمقها في الضفة الغربية، ويزيد صعوبة التواصل الجغرافي بين شمال الضفة وجنوبها، بما يحول مناطق واسعة منها إلى كانتونات منفصلة.
ووصف خبراء في التخطيط المنطقة بأنها «عنق الزجاجة» الذي تتوقف عليه إلى حد كبير إمكانية قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافياً.
وفي 19 تموز الماضي، وبعد تقديم الالتماسات القضائية من جانب «عير عميم» و«بمكوم» و«السلام الآن»، أبلغت نيابة الدولة مقدمي الالتماسات رسمياً بأنه لا يُتوقع نشر عطاءات مرتبطة بالمشروع خلال الشهرين أو الأشهر الثلاثة التالية، وتعهدت بإبلاغهم مسبقاً في حال قررت الحكومة تغيير موقفها، غير أن الحكومة مضت في طرح العطاء دون إخطار مسبق، ولم يعلم مقدمو الالتماسات بالخطوة إلا بعد صدور الإعلان الحكومي.
وترى الجمعيات أن اختيار طرح عطاء جزئي يضم 1,234 وحدة من أصل 3,401 وحدة مصادق عليها يثير تساؤلات حول دوافع الحكومة، ويبدو، وفق تقديرها، محاولة للمضي في تنفيذ المشروع مع تقليص حجم التدقيق القانوني والاهتمام الإعلامي والسياسي المحيط به.
ولا تقتصر تداعيات المشروع على البناء الاستيطاني، إذ يتضمن أيضاً ما يعرف بمخطط «نسيج الحياة»، الذي يقوم على إنشاء طريق رئيسي يربط «معاليه أدوميم» بالقدس، مع تخصيص الطريق السطحي للمستوطنين، في حين يُدفع الفلسطينيون إلى استخدام طريق بديل يمر عبر نفق بالقرب من حاجز الزعيم.
وتقول محافظة القدس إن هذا المخطط يكرس، من وجهة نظرها، واقعاً من الفصل المروري، إلى جانب ما يترتب عليه من عزل تجمعات فلسطينية، بينها جبل البابا ووادي الجمل والعيزرية، وتهديد عشرات المنشآت الفلسطينية بالهدم والإخلاء.
كما أشارت المحافظة إلى أن تكلفة الطريق، المقدرة بنحو 98 مليون دولار، تمول من أموال المقاصة الفلسطينية المحتجزة بقرار من وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، معتبرة أن استخدام هذه الأموال لتمويل المشروع يهدف إلى تقديمه دولياً باعتباره يخدم الفلسطينيين، في حين تظهر المخططات الهندسية، بحسب المحافظة، أنه مصمم أساساً لتسهيل حركة المستوطنين وتعزيز منظومة الاحتلال.
وحذرت الأمم المتحدة من التداعيات الخطيرة للتوسع الاستيطاني في منطقة E1، مؤكدة أن المشروع يهدد بفصل شمال الضفة الغربية عن جنوبها ويقوض بصورة خطيرة إمكانية تطبيق حل الدولتين.
كما أشير إلى فتوى محكمة العدل الدولية الصادرة في تموز 2024، التي اعتبرت استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية غير قانوني ودعت إلى إنهاء الوجود الإسرائيلي غير القانوني في الأراضي المحتلة وإزالة المستوطنات.
وحذر مندوب باكستان الدائم لدى الأمم المتحدة من أن مخطط E1 يشكل تهديداً خطيراً للتواصل الجغرافي للدولة الفلسطينية المستقبلية، مؤكداً أن المشروع يقوض بصورة كبيرة حل الدولتين، في وقت تتواصل فيه خطط الاستيطان والمصادقة على وحدات استيطانية جديدة في الضفة الغربية.
من جانبها، أعلنت الحكومة البريطانية أنها تراقب الشركات التي ستشارك في العطاءات المتعلقة بالمشروع، ولوحت باتخاذ إجراءات بحق الشركات المشاركة، فيما وصف مسؤول بريطاني مشروع E1 بأنه خطوة من شأنها تقويض أي إمكانية لحل الدولتين.
وترى محافظة القدس أن الاكتفاء بالإدانات الدولية دون اتخاذ إجراءات رادعة شجع الحكومة الإسرائيلية على المضي في مشاريعها الاستيطانية، داعية إلى الانتقال من مرحلة الإدانة السياسية إلى إجراءات عملية تشمل فرض عقوبات سياسية واقتصادية، وملاحقة المسؤولين عن المشاريع الاستيطانية أمام المحاكم الدولية، إلى جانب مساءلة الشركات المشاركة في تنفيذها.
ولا تزال الإجراءات القضائية المتعلقة بالمشروع منظورة أمام المحكمة المركزية في القدس، بعدما تقدمت الجمعيات الثلاثة بثلاثة التماسات نيابة عن فلسطينيين من المنطقة. وفي جلسة عقدت في 15 حزيران 2026، رفضت المحكمة طلب الدولة رد الالتماسات، وقررت الانتقال بها إلى مرحلة بحث الجوهر، وألزمت الدولة وبلدية «معاليه أدوميم» بتقديم رد مفصل بحلول الأول من أيلول المقبل.
وفي المقابل، رفضت المحكمة طلب تجميد المشروع إلى حين البت في القضية، الأمر الذي أتاح للحكومة مواصلة الإجراءات المتعلقة بالعطاءات.
وأكد قرار المحكمة أن الأسئلة القانونية التي تثيرها الالتماسات تستحق البحث، وهو ما اعتبرته المنظمات مؤشراً على وجود أساس قانوني يستدعي مواصلة النظر في القضية.
وتحذر الجمعيات من أن تسريع الحكومة إجراءات تنفيذ المشروع، خصوصاً قبل الانتخابات الإسرائيلية، قد يؤدي إلى ايجاد وقائع ميدانية قبل صدور قرار قضائي حاسم، ما يضعف فرص أي تدخل قضائي فعال في وقت لاحق.
ويشكل طرح العطاء الأخير منعطفاً مهماً في مسار مشروع E1، إذ تنتقل إسرائيل عملياً من مرحلة التخطيط والتجميد التي فرضتها الضغوط الدولية طوال سنوات إلى مرحلة التنفيذ على الأرض، في تحدٍ للمواقف الدولية وللالتزامات التي قدمتها نيابة الدولة في إطار الإجراءات القضائية.
ومع استمرار العطاءات حتى 5 تشرين الأول المقبل، وبقاء الالتماسات أمام المحكمة، تتزايد المخاوف من أن يؤدي تنفيذ المشروع إلى تغيير الخريطة الجغرافية للضفة الغربية بصورة يصعب عكسها، بما يهدد التواصل بين شمالها وجنوبها ويعزل القدس الشرقية عن محيطها الفلسطيني، ويقوض بصورة أكبر فرص قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافياً وقابلة للحياة.
وتؤكد المنظمات الحقوقية أن الحكومة التي تعلن احترام سيادة القانون لا يمكنها التعامل مع التزاماتها أمام القضاء وأطراف الإجراءات القضائية والجمهور باعتبارها التزامات قابلة للتراجع، فيما يبقى السؤال مطروحاً حول ما إذا كان المجتمع الدولي سيتحرك لوقف المشروع قبل تحول المخططات والعطاءات إلى وقائع استيطانية دائمة على الأرض.