لا تبدو نتائج الثانوية العامة لعام 2026 مجرد ارتفاع في نسبة النجاح مقارنة بالعام الماضي، بقدر ما تمثل أول قراءة واسعة لمخرجات نظام جديد أعاد توزيع تجربة الثانوية العامة على عامين، وغير طبيعة العلاقة بين الطالب والامتحان من اختبار مكثف في فترة زمنية محدودة إلى مسار دراسي وامتحاني أكثر امتدادا، يمنح الطالب فرصا إضافية للاستدراك وتحسين النتيجة.
وتشير الأرقام المعلنة إلى أن نسبة النجاح العامة بلغت 65.3%، مقارنة بـ 62.5% العام الماضي، بارتفاع يقارب ثلاث نقاط مئوية. وقد تبدو الزيادة محدودة عند النظر إلى النسبة المجردة، إلا أن دلالتها تصبح أكثر وضوحا عند وضعها إلى جانب الارتفاع الكبير في أعداد الطلبة الذين حققوا معدلات مرتفعة.
فعدد الطلبة الناجحين لأول مرة ممن حصلوا على معدل 95% فأكثر ارتفع إلى4481 طالبا وطالبة، مقابل 2,860 فقط العام الماضي.
وهذا الفارق الكبير لا يعكس تحسنا في نسبة النجاح فحسب، بل يشير إلى تغير واضح في توزيع النتائج نحو الشرائح العليا، وهي النقطة التي تستحق قراءة أوسع، خصوصا في ظل ارتباط المعدلات المرتفعة مباشرة بفرص المنافسة على التخصصات الجامعية الأكثر طلبًا.
وفي المقابل، ارتفع عدد الطلبة الذين يحق لهم الالتحاق بالجامعات إلى نحو 96 ألف طالب وطالبة، بنسبة 53.8%، مقابل 52.1% العام الماضي. ويعني ذلك أن أكثر من نصف الطلبة أصبحوا ضمن شريحة المؤهلين للانتقال إلى التعليم العالي، وهو مؤشر لا يرتبط بنسبة النجاح وحدها، وإنما يعكس كذلك طبيعة المخرجات التي أنتجها النظام الجديد من حيث اجتياز المتطلبات المؤهلة للقبول الجامعي.
ويقدم مدير الامتحانات والاختبارات في وزارة التربية والتعليم محمد شحادة تفسيرا مباشرا لهذا التحول، إذ يرى أن ارتفاع نسب النجاح كان متوقعا في ضوء الخطة الجديدة التي توزع الدراسة والامتحانات على عامين، بحيث يتقدم الطالب في السنة الأولى لأربعة مباحث وفي السنة الثانية لأربعة مباحث.
كما أن الطالب الذي يتعثر في مباحث السنة الأولى تتاح له دورتان للاستدراك، بما يقلل من أثر التعثر في مرحلة مبكرة على مستقبله الدراسي والجامعي.
وهنا تبرز إحدى أهم الفوارق بين النظام الجديد والنمط السابق؛ فالطالب لم يعد أمام امتحان واحد يمثل نقطة فاصلة تحدد مساره بصورة شبه نهائية، وإنما أصبح أمام مسار يوفر فرصا متعددة للتعامل مع التعثر وتحسين الأداء. ومن الطبيعي، في هذه الحالة، أن ينعكس توزيع العبء الامتحاني وإتاحة فرص الاستدراك على مؤشرات النجاح، وهو ما تؤكده الوزارة نفسها في تفسيرها لارتفاع النتائج.
لكن قراءة النتائج لا ينبغي أن تتوقف عند اعتبار ارتفاع النجاح نجاحا مكتمل الأبعاد للنظام الجديد فهذه النتائج تمثل في الوقت ذاته اختبارا أوليا للخطة، وليس حكمًا نهائيا عليها.
فالقياس الحقيقي لأي نظام تعليمي لا يقتصر على عدد الناجحين أو ارتفاع المعدلات، وإنما يمتد إلى جودة التحصيل، وعدالة التقييم، ومدى قدرة الطلبة على اكتساب المعرفة والمهارات، وانعكاس ذلك على اختياراتهم الجامعية ومساراتهم المهنية.
ومن هذه الزاوية، تكتسب تصريحات شحادة أهمية إضافية عندما يؤكد أن الخطة الجديدة قابلة للتحسين والتطوير، وأن الوزارة أدخلت بالفعل تعديلات تبدأ مع العام الدراسي المقبل، من أبرزها تقليص عدد الحقول من ستة إلى أربعة، وزيادة تخصصية المباحث.
وهذا يعني أن الوزارة لا تتعامل مع نتائج الدورة الأولى باعتبارها صيغة نهائية، وإنما باعتبارها مخرجات يمكن البناء عليها في تطوير الخطة.
وتكشف المقارنة بين نسب النجاح عن ارتفاع من 62.5% إلى 65.3%، أي نحو 2.8 نقطة مئوية، وهي زيادة يمكن وصفها بأنها ملموسة، لكنها لا تفسر وحدها حجم التحول في النتائج.
فالمؤشر الأكثر لفتا هو القفزة في أعداد الحاصلين على معدلات 95% فأكثر، من 2,860 إلى 4481 طالبا وطالبة.
لذلك فإن السؤال الأهم الذي تفرضه النتائج لا يتعلق فقط بسبب ارتفاع نسبة النجاح، وإنما بكيفية تفسير هذا التغير الكبير في مستويات المعدلات العليا، وما إذا كان مرده إلى طبيعة النظام الجديد وتوزيع المباحث وفرص الاستدراك، أم إلى مجموعة من العوامل المرتبطة بالتقييم والامتحان والخطة الدراسية.
كما أن ارتفاع عدد المؤهلين للقبول الجامعي إلى 96 ألفا، بنسبة 53.8%، مقابل 52.1% العام الماضي، يضع الجامعات أمام كتلة أكبر من الطلبة المؤهلين للانتقال إليها، ويجعل المرحلة التالية للنتائج جزءا أساسيا من تقييم أثر النظام.
فنجاح الطالب في الثانوية لا ينتهي عند إعلان النتيجة، وإنما يختبر من خلال قدرته على اختيار التخصص المناسب، والالتحاق بالتعليم العالي، والاستمرار فيه والنجاح في متطلباته.
وعليه، يمكن قراءة نتائج توجيهي 2026 باعتبارها إشارة أولى إلى أن النظام الجديد غير شكل النتائج بالفعل فقد ارتفعت نسبة النجاح، واتسعت شريحة الحاصلين على المعدلات المرتفعة بصورة كبيرة، وزادت نسبة المؤهلين للالتحاق بالجامعات.
غير أن هذه المؤشرات، رغم أهميتها، تحتاج إلى متابعة على مدى سنوات قبل إصدار حكم نهائي على تجربة تمتد آثارها إلى التعليم الجامعي وسوق العمل.
وبذلك، فإن الرقم 65.3% لا يحكي القصة كاملة، القصة الأوسع تكمن في التحول الذي أحدثه النظام الجديد في توزيع فرص النجاح والمعدلات، وفي قدرة الوزارة على استخدام نتائج التطبيق الأول لتصحيح المسار وتطويره.
نتائج «الثانوية».. اختبار أولي لنظام العامين
12:41 19-8-2026
آخر تعديل :
الأربعاء