مع إعلان نتائج الثانوية العامة (التوجيهي)، تقف آلاف من العائلات والطلبة أمام محطة مفصلية لتحديد التخصص الجامعي. وفي هذه اللحظة، لا يتصارع العقل مع متطلبات سوق العمل فحسب، بل يمتد الصراع إلى العمق الاجتماعي؛ حيث تتقاطع رغبة الطالب مع شبكة معقدة من التوقعات والمقارنات العائلية، ويزداد المشهد تعقيداً أمام واقع وجود تخصصات مشبعة وأخرى راكدة تُلقي بظلالها على خيارات المستقبل.تتجلى هذه الأزمة أولاً في ظاهرة غيرة الأقارب والمقارنات البينية، حيث يصر بعض أولياء الأمور على توجيه أبنائهم نحو تخصصات معينة كالطب أو الهندسة أسوة بالمعارف والأقارب، رغبةً في التفاخر الاجتماعي. ورغم تنظيم وزارة التربية والتعليم للتعليم الثانوي عبر الحقول الأكاديمية مثل الحقل الصحي والهندسي والتكنولوجي والأعمال، إلا أن التنافس الشديد ينحصر داخل الحقل الواحد، إذ يتنافس الطلبة على أجزاء العشر من العلامة على مقاعد محدودة للغاية في بعض الجامعات. وهنا يغرق الأهل والطلبة في دوامة البحث عن آخر معدل قبول تنافسي، للبدء في رحلة الخطة البديلة بين الموازي وانتظار المستنكفين أو التسجيل في الجامعات الخاصة أوالخيارات الخارجية متجاهلين تحذيرات الجهات الرسمية من التخصصات الراكدة والمسببة للبطالة.
إن التحليل العميق لديناميكيات الاقتصاد يُظهر أن الإبداع لا يزدهر بالإكراه، وأن النجاح لا يتأتى بدراسة تخصص مشبع لمجرد محاكاة الأقارب أو مطاردة الحد الأدنى للقبول، فالتحاق الطالب بتخصص لا يمتلك الشغف به أو القدرة على دراسته يجعله أقرب لمن يحمل شهادة بلا كفاءة وبلا تنافسية. إن القاعدة تنص على أنه: عندما يكون القاع مزدحماً لا بد للخريج من أن يتميز عن أقرانه، لأن الاستثمار في الشغف الحقيقي يمنح الفرد قدرة على الابتكار وتطوير المهارات المتقاطعة حتى في المجالات الصعبة. إنَّ النجاح الاقتصادي رهين بالشخص نفسه وقدرته على صنع القيمة المضافة، وليس بالمسمى الوظيفي أو التقليد الأعمى.وهنا تبرز حقيقة حاسمة في عصرنا اليوم بأن الشهادة الأكاديمية والمهارات الأساسية التقليدية لم تعد تكفي وحدها. إن رؤية التحديث الاقتصادي جاءت منسجمة مع سوق العمل الذي يتطلب تركيزاً مكثفاً على المهارات النوعية وفي مقدمتها إتقان اللغة الإنجليزية باعتبارها لغة المعرفة والتعاملات العالمية، إلى جانب مهارات الحاسوب والذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية والأمن السيبراني وتحليل البيانات.
إن إجبار الطالب على التخلي عن قدراته لمصلحة وجاهة اجتماعية أو حصره في تخصصات راكدة بناءً على حسابات المعدلات فقط، هو قرار يفتقر إلى الحصافة الاقتصادية؛ فالأسواق الحديثة تبحث عن المهارة وحل المشكلات لا عن ألقاب جافة. برأيي، إنَّ التحصيل الأكاديمي وحده لم يعد كافياً للمنافسة،فالدور اليوم على الطالب نفسه في تطوير مهاراته العلمية والعملية بالتوازي مع دور الجامعات في تحقيق الاعتماديات الدولية وتحديث مناهجها والتشبيك مع المؤسسات المانحة للشهادات المهنية. فالتحدي الحقيقي اليوم يكمن في الانفكاك من عقدة المقارنات والوعي بواقع التخصصات لا بمطابقة مسار الآخرين، بل قدرة الطالب على تطوير مهاراته وتوظيف شغفه وقدراته ليكون رقماً صعباً ومحركاً أساسياً للنمو والابتكار في المستقبل المهني.
Dr.hhaddad@outlook.com
إن التحليل العميق لديناميكيات الاقتصاد يُظهر أن الإبداع لا يزدهر بالإكراه، وأن النجاح لا يتأتى بدراسة تخصص مشبع لمجرد محاكاة الأقارب أو مطاردة الحد الأدنى للقبول، فالتحاق الطالب بتخصص لا يمتلك الشغف به أو القدرة على دراسته يجعله أقرب لمن يحمل شهادة بلا كفاءة وبلا تنافسية. إن القاعدة تنص على أنه: عندما يكون القاع مزدحماً لا بد للخريج من أن يتميز عن أقرانه، لأن الاستثمار في الشغف الحقيقي يمنح الفرد قدرة على الابتكار وتطوير المهارات المتقاطعة حتى في المجالات الصعبة. إنَّ النجاح الاقتصادي رهين بالشخص نفسه وقدرته على صنع القيمة المضافة، وليس بالمسمى الوظيفي أو التقليد الأعمى.وهنا تبرز حقيقة حاسمة في عصرنا اليوم بأن الشهادة الأكاديمية والمهارات الأساسية التقليدية لم تعد تكفي وحدها. إن رؤية التحديث الاقتصادي جاءت منسجمة مع سوق العمل الذي يتطلب تركيزاً مكثفاً على المهارات النوعية وفي مقدمتها إتقان اللغة الإنجليزية باعتبارها لغة المعرفة والتعاملات العالمية، إلى جانب مهارات الحاسوب والذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية والأمن السيبراني وتحليل البيانات.
إن إجبار الطالب على التخلي عن قدراته لمصلحة وجاهة اجتماعية أو حصره في تخصصات راكدة بناءً على حسابات المعدلات فقط، هو قرار يفتقر إلى الحصافة الاقتصادية؛ فالأسواق الحديثة تبحث عن المهارة وحل المشكلات لا عن ألقاب جافة. برأيي، إنَّ التحصيل الأكاديمي وحده لم يعد كافياً للمنافسة،فالدور اليوم على الطالب نفسه في تطوير مهاراته العلمية والعملية بالتوازي مع دور الجامعات في تحقيق الاعتماديات الدولية وتحديث مناهجها والتشبيك مع المؤسسات المانحة للشهادات المهنية. فالتحدي الحقيقي اليوم يكمن في الانفكاك من عقدة المقارنات والوعي بواقع التخصصات لا بمطابقة مسار الآخرين، بل قدرة الطالب على تطوير مهاراته وتوظيف شغفه وقدراته ليكون رقماً صعباً ومحركاً أساسياً للنمو والابتكار في المستقبل المهني.
Dr.hhaddad@outlook.com