أعلنت وزارة الصحة في قطاع غزة، استشهاد 5 مواطنين وإصابة 18 آخرين خلال الساعات الماضية، جراء استمرار العدوان الإسرائيلي على القطاع، موضحة أن الشهداء الذين وصلوا إلى مستشفيات القطاع بينهم شهيدان جديدان، فيما جرى انتشال جثامين 3 شهداء من تحت الأنقاض.
وقالت الوزارة في تقريرها اليومي إن عدداً من الضحايا لا يزالون عالقين تحت الركام وفي الطرقات، في ظل صعوبة وصول طواقم الإسعاف والدفاع المدني إليهم، نتيجة الظروف الميدانية القاسية التي تعيق عمليات البحث والإنقاذ.
وبحسب الوزارة، ارتفعت حصيلة الشهداء منذ إعلان وقف إطلاق النار في 11 تشرين الأول الماضي إلى 1265 شهيداً، فيما بلغ عدد المصابين 4198، وتمكنت الطواقم من انتشال 813 جثماناً من تحت الأنقاض. كما ارتفعت الحصيلة الإجمالية للعدوان منذ اندلاعه في 7 تشرين الأول 2023 إلى 73,399 شهيداً و174,310 جرحى، وفق أحدث بيانات وزارة الصحة.
وفي ظل استمرار انهيار القطاع الصحي، لم تعد رحلة المريض في غزة تبدأ من غرفة الطبيب وتنتهي بتلقي العلاج، بل أصبحت مساراً شاقاً تحكمه التحويلات الطبية والموافقات والتنسيق وانتظار فتح المعابر، فيما تتراجع قدرة المستشفيات المحلية على تقديم الرعاية اللازمة بسبب النقص الحاد في الأدوية والمستلزمات والمعدات الطبية.
فالحصول على تحويلة طبية، بما يؤكد حاجة المريض إلى علاج غير متوفر داخل القطاع، لا يعني بالضرورة السماح له بالمغادرة، وإنما يشكل بداية لمرحلة أخرى من الانتظار والموافقات وإجراءات التنسيق، قد تمتد لأسابيع أو أشهر، بينما تتدهور الحالات الصحية وتتراجع فرص العلاج والشفاء.
وتروي مريم رضوان، المصابة بالسرطان، جانباً من هذه المعاناة، بعدما خضعت لعملية لاستئصال ورم في البطن، قبل أن يتراجع وضعها الصحي نتيجة عدم توفر العلاج المناسب.
ورغم حصولها على تحويلة عاجلة للعلاج خارج غزة، لا تزال تنتظر موعد السفر.
وقالت رضوان لمراسل المركز الفلسطيني للإعلام: «المرض انتشر في جسدي وأصبحت عاجزة عن الحركة وخدمة نفسي، في ظل صعوبة الحصول على المسكنات والعلاجات الضرورية».
أما نور مصلح، المصابة بسرطان عنق الرحم، فتواجه مضاعفات خطيرة نتيجة كبر حجم الورم، الذي تسبب بمشكلات في الكلى والجهاز البولي، ما اضطرها إلى الخضوع لغسيل الكلى وتركيب دعامات للكليتين.
وتقول مصلح: «أحمل تحويلة طبية مصنفة عاجلة، لكنني لا أزال أنتظر السفر، والألم يزداد يوماً بعد آخر، والتأخير يضاعف المخاطر على حياتي».
ويؤكد المدير الطبي لمستشفى غزة للسرطان الدكتور محمد أبو ندى، أن المشكلة لا تقتصر على إصدار التحويلات الطبية، وإنما تمتد إلى قدرة المرضى على مغادرة القطاع والوصول إلى مراكز العلاج المتخصص.
وأوضح أن مرضى السرطان يحتاجون إلى خدمات غير متوفرة في غزة، من بينها بعض أنواع العلاج الكيميائي المتخصص والعلاج الإشعاعي وزراعة النخاع، مشيراً إلى أن آلاف المرضى ينتظرون الموافقات والسفر في سباق مع الزمن، قد يخسرون فيه حياتهم.
وأضاف أن تأخر العلاج ينعكس بصورة مباشرة على فرص الشفاء والسيطرة على المرض، وقد يؤدي إلى وفاة مرضى وهم ينتظرون دورهم في السفر.
من جانبه، قال مدير مؤسسة الإغاثة الطبية في غزة الدكتور محمد أبو عفش، إن أعداداً كبيرة من المرضى والجرحى بحاجة إلى الخروج لتلقي العلاج التخصصي، بينهم مرضى سرطان وأطفال ومصابون يحتاجون إلى عمليات معقدة وبرامج تأهيل.
وأوضح أن إجراءات التنسيق والموافقات لا تزال بطيئة، ما يبقي آلاف المرضى والجرحى عالقين في القطاع بين الحاجة الملحة للعلاج وبطء إجراءات السفر، في انتظار فرصة قد تعني بالنسبة لكثيرين الفرق بين الحياة والموت.
ولا تتوقف الأزمة عند المرضى، إذ بات انهيار الخدمات الأساسية يشكل خطراً إضافياً على حياة السكان، بعدما أضعفت الحرب قدرة المرافق الحيوية على العمل وأصبح تعطل خدمة واحدة ينعكس سريعاً على خدمات أخرى.
وفي المستشفيات، لا تقتصر الأزمة على نقص الأدوية، بل تمتد إلى تراجع القدرة التشغيلية للمرافق الطبية نفسها، فالأكسجين والمختبرات والمعدات الطبية وقطع الغيار أصبحت جميعها حلقات في منظومة مستنزفة.
وتشير المعطيات إلى أن 12 محطة أكسجين فقط من أصل 34 لا تزال تعمل، فيما لا يعمل سوى 4 أجهزة من أصل 30، في وقت يحتاج فيه مرضى الحالات الحرجة إلى إمدادات مستمرة لا تحتمل الانقطاع.
وتتسع الفجوة لتشمل الأدوية والمستلزمات الطبية، مع عجز يبلغ 47% في الأدوية، ونسب أعلى في أدوية السرطان والدم وصحة الأم والطفل وأدوية الكلى، إلى جانب نقص كبير في المواد المخبرية الضرورية للتشخيص والمتابعة.
وتزداد صعوبة الأزمة مع نقص قطع الغيار والزيوت والمعدات اللازمة للصيانة، فضلاً عن صعوبة إدخال المواد الضرورية لإصلاح الأعطال، ما يجعل تعطل الأجهزة والمرافق أكثر خطورة، إذ لم تعد صيانة المعدات إجراءً روتينياً، بل باتت مهمة قد تستغرق أشهراً.
ولا يقتصر تدهور الخدمات على القطاع الصحي، فشبكات المياه والصرف الصحي تواجه هي الأخرى ضغوطاً كبيرة.
ففي خانيونس تعرض نحو 75% من النظام المائي للدمار، فيما تواجه عشرات الغواطس والمرافق المائية صعوبات تشغيلية، ما يدفع السكان بصورة متزايدة إلى الاعتماد على المياه المنقولة بالصهاريج، وهي بدورها تحتاج إلى الوقود والمركبات ومصادر التمويل.
وفي قطاع الصرف الصحي، يؤدي تعطل الآليات المخصصة لشفط المياه العادمة وصيانة الشبكات إلى تفاقم المخاطر في المناطق المكتظة، إذ تحتاج هذه الآليات إلى الوقود والزيوت وقطع الغيار، ومع تعطلها تتزايد احتمالات تجمع المياه العادمة في الشوارع ومحيط أماكن إقامة النازحين، بما يحمله ذلك من مخاطر صحية وبيئية.
أما النفايات، فتحولت من مشكلة خدمية إلى تهديد مباشر للصحة العامة، في وقت تتراجع فيه قدرة البلديات على جمعها وترحيلها ورفع الركام بسبب نقص المعدات والوقود ومواد الصيانة.
وكانت الأمم المتحدة قد تحدثت في أيار الماضي عن ارتفاع تراكمات النفايات في موقع مؤقت بمدينة غزة إلى نحو 14 متراً، فيما قدرت حجم النفايات المتراكمة في جنوب القطاع بنحو 470 ألف متر مكعب.
ومع استمرار تراكم النفايات، تتجاوز تداعيات الأزمة الروائح والمشهد العام، لتشمل مخاطر الحرائق والقوارض والحشرات والتلوث وانتشار الأمراض.
كما يشكل الركام أحد أبرز العوائق أمام عودة الحياة إلى مناطق القطاع، فهو لا يمثل فقط بقايا المباني المدمرة، وإنما يعوق فتح الطرق وإيصال الخدمات والوصول إلى المناطق السكنية وإصلاح شبكات المياه والصرف الصحي.
ومع كل تأخير في إزالة الركام، تتسع دائرة التعطيل؛ فالطريق المغلق قد يؤخر وصول سيارة الإسعاف، والركام المحيط بشبكة مياه قد يمنع إصلاحها، ومخلفات المباني تضيف عبئاً جديداً على البلديات التي تعاني أصلاً من نقص الإمكانات.
وفي غزة، تبدو الأزمات مترابطة إلى حد يجعل التعامل مع كل واحدة منها منفردة أمراً صعباً؛ فنقص الوقود يعرقل النقل وتشغيل الآليات، ونقص قطع الغيار يطيل أمد الأعطال، وتعطل شبكات المياه يزيد الاعتماد على الصهاريج، وتراجع خدمات الصرف الصحي يرفع المخاطر الصحية، فيما يؤدي تراكم النفايات والركام إلى خلق بيئة أكثر خطورة.
وبذلك، لم تعد معركة السكان اليومية تقتصر على البحث عن مكان آمن أو الحصول على الغذاء والدواء، بل امتدت إلى تفاصيل الحياة الأساسية: ماء يمكن الوصول إليه، ومستشفى قادر على تشغيل أجهزته، وشارع يمكن فتحه، ونفايات يمكن جمعها، وشبكة صرف صحي يمكن صيانتها.
ومع تآكل هذه الخدمات واحدة تلو الأخرى، لم تعد القضية مرتبطة فقط بإعادة إعمار المباني المدمرة، بل بإعادة تشغيل منظومة حياة كاملة فقدت كثيراً من مقوماتها، فيما يظل آلاف المرضى والجرحى عالقين بين الحياة والموت، ينتظرون بوابة نجاة قد تتأخر أكثر مما تحتمل أجسادهم.