مجتمع

من «جمرة القيظ» إلى «مرخيات القلايد».. حكاية الصيف في السردية الأردنية

تمثل أسماء مثل «جمرة القيظ» و«مرخيات القلايد» و«محننات الجمل»، شاهدة على علاقة الإنسان في البادية بالبيئة من حوله، وكيف استطاع أن يحول ملاحظاته اليومية لحركة النجوم والحرارة والماء والحيوان والنبات إلى تقويم شعبي غني بالمصطلحات والأمثال والأشعار، ما يجعل هذه التسميات جزءا من التراث الشفهي الذي ما زال حاضرا في ذاكرة أبناء البادية حتى اليوم.
ولا يمر فصل الصيف في الموروث الشعبي في مناطق البادية بوصفه مجرد ارتفاع في درجات الحرارة، بل يحمل في ذاكرة أهل البادية والزراعة أسماء وتعبيرات ارتبطت بمراحل الحر، ومواعيد نضج الثمار، وحركة الإبل والمواشي، حتى أصبحت هذه التسميات أشبه بتقويم شعبي يختزن خبرة الأجداد في قراءة الطقس ومراقبة تغيراته.
ومن أبرز هذه التسميات،كما يذكرها إلى «$» الوجيه العشائري الدكتور راشد الحوامدة، «جمرة القيظ» و«المرزم» و«مرخيات القلايد»، وهي أسماء ارتبطت بمراحل مختلفة من موسم الصيف والقيظ، واستخدمها العرب قديما للاستدلال على شدة الحرارة وتراجعها التدريجي.
وأشار إلى أن «مرخيات القلايد» تأتي في نهاية موسم القيظ، وترتبط في الموروث الشعبي بفترة شديدة الحرارة تمتد في بعض التقويمات الشعبية من نحو 11 آب وحتى بداية أيلول، مع اختلاف التحديد الزمني بين المناطق والتقاويم، لافتا إلى أنها تعرف كذلك بارتباطها بموسم طلوع «سهيل».
وعن سبب تسمية «مرخيات القلايد»، أكد الحوامدة، أن الروايات الشعبية حوله تتعدد، إلا أن أشهرها يرتبط بالإبل، إذ كانت «القلايد» أو ما يشبه الحبال والأطواق التي تشد على الإبل، ومع استمرار الحر وشدة العطش والإجهاد يضمر جسم الناقة وترتخي القلائد حول عنقها أو بطنها ومن هنا جاءت عبارة «مرخيات القلايد» للدلالة على شدة الحر في أواخر القيظ.
وللتسمية تفسير آخر يرتبط بالزراعة والنخيل، بحسب الناشط بالموروث الشعبي والتراثي أحمد عليمات، إذ يرى أن «القلايد» تشير إلى أغصان الرطب التي تثقل بثمارها الناضجة، فتنحني أو ترتخي من ثقل المحصول، في إشارة إلى مرحلة متقدمة من نضج التمر.
وأوضح أن قبل «مرخيات القلايد» تأتي مراحل أخرى من القيظ (الحر الشديد)، من بينها «جمرة القيظ»، وهي -بحسب قوله-من أشد فترات الصيف حرارة، وتتوزع في بعض التقويمات الشعبية على مراحل مرتبطة بـ«الجوزاء» و«المرزم» وفيها يشتد الجفاف وتتعاظم حرارة الأرض، كما تتسارع عملية نضج الرطب وتحوله إلى تمر.
وتحضر في هذا السياق أيضا وفق عليمات،تسميات مثل «محننات الجمل»، وهي تسمية مرتبطة بشدة حاجة الإبل إلى الماء خلال هذه الفترة، في حين ارتبطت مراحل الصيف الأخرى بأسماء تصف أثر الحرارة في المحاصيل والثمار، مثل «طباخ العنب» و«طباخ التين» و«صباغ اللون» و«طباخ التمر».
وأشار إلى أنه لم تكن هذه المسميات مجرد أوصاف أدبية للطقس، وإنما شكلت عند العرب قديما وسيلة لمتابعة دورة السنة الزراعية والرعوية، فطلوع النجوم ومواقعها في السماء كان يستخدم مؤشرا على تغير الفصول ومواعيد الحر والبرد ونضج المحاصيل.